آراء

مآلات التصعيد العسكري في المنطقة وانعكاساته على دول الخليج العربي والأردن | اللواء محمد الصمادي

شكل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقه من انخراط إسرائيلي مباشر وغير مباشر خلال عامي 2025-2026، تحولًا نوعيًا في بنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فقد انتقلت المواجهة من نمط الردع غير المباشر والحروب بالوكالة إلى حالة من اشتباك متعدد الساحات والأدوات، تشمل العمليات الجوية والبحرية والصاروخية والسيبرانية، واستخدامالوكلاء الإقليميين، والحروب الاستنزافية غير المتماثلة.

كما أسهم التنسيق العسكري والاستخباري الأمريكي-الإسرائيلي في إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمي، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة البحرية، واستقرار أسواق الطاقة العالمية. يعكس هذا التحول اتجاهًا متزايدًا نحو الضربات الدقيقة والحرب متعددة المجالات، مع تقليص مساحات المراهنة على التهدئة أو التسويات السياسية. 

 ورغم إعلان واشنطن وطهران عن نافذة تفاوضية مؤقتة، فإنّ المؤشرات العملية تشير إلى دخول المنطقة مرحلة “التهيئة العملياتية المشروطة” أكثر من كونها تسوية مستقرة. إذ ما تزال مستويات الجاهزية العسكرية مرتفعة، مع استمرار التموقع الإقليمي، وتبادل الرسائل الردعية، بما يعكس بنية صراع مفتوحة قد تنزلق إلى التصعيد دون نية مبيّتة. 

وتتجاوز تداعيات هذا الصراع الإطار الثلاثي التقليدي، لتشمل أمن الخليج العربي والأردن والممرات البحرية الدولية وأسواق الطاقة، ما يضع الإقليم أمام بيئة استراتيجية تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين والهشاشة.

طبيعة المرحلة الراهنة 

تعكس المرحلة الحالية انتقالًا من التصعيد المباشر إلى نمط “إدارة التصعيد”، حيث تسعى الأطراف الرئيسية إلى تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على التفوق الجوي والتكنولوجي، وعلى استخدام الضربات الدقيقة كأداة ضغط تفاوضي، إلى جانب تأمين الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، ومنع إيران من تعزيزقدراتها النووية والعسكرية.

كما تشير طبيعة التحركات الأمريكية إلى أنّ واشنطن تميل إلى استراتيجية الاحتواء والردع وإضعاف القدرات الإيرانية، أكثر من اتجاهها إلى خوض حرب بريّة شاملة أو الانخراط في مشروع تغيير النظام بصورة مباشرة.

مدمّرات أمريكية أثناء عبورها مضيق هرمز كجزء من عملية “مشروع الحرية” (USCENTCOM, 2026)

في المقابل، تتبنى إيران استراتيجية مزدوجة تقوم على خفض التصعيد التكتيكي لتجنب مواجهة شاملة، مع الإبقاء على أدوات الردع غير التقليدية، مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والوكلاء الإقليميين والقدرات السيبرانية. وتهدف هذه المقاربة إلى منع فرض تسوية من موقع ضعف، والحفاظ على القدرة على التأثير في أمن الطاقة والتوازنات الإقليمية.

أمّا إسرائيل، فتسعى إلى إدارة التصعيد عبر عقيدة الضربات الاستباقية ومنع إعادة تموضع إيران في ساحات النفوذ الإقليمي، خصوصًا في سوريا ولبنان، مع الاعتماد المتزايد على التفوق الاستخباري والحرب متعددة المجالات، بما يشمل العمليات السيبرانية والاستهداف الدقيق للبنى العسكرية واللوجستية. 

كما تؤثر مواقف القوى الدولية، خصوصا روسيا والصين، في إدارة الصر اع ومساراته. ويعود ذلك إلى التنافس على النفوذ والطاقة والممر ات البحرية، إضافة إلى سعي هذه القوى لمنع اختلال التوازنات الإقليمية بصورة حادة. 

كما أن استمرار حالة الاستنزاف منخفض الحدة يفرض أعباء مالية وعسكرية متزايدة على الأطر اف المختلفة، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والاعتراض الصاروخي وحماية البنية التحتية الحيوية، ما قد يؤدي إلى ضغوط طويلة الأمد على الموازنات العسكرية وسلاسل الإمداد الدفاعية. 

يعدّ سيناريو “التهدئة المشروطة” الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، ويتمثل في انخفاض نسبي في العمليات المباشرة مع استمرار الانتشار العسكري والاحتكاكات المحدودة. ويوفر هذا السيناريو قدرًا من الاستقرار النسبي للملاحة وأسواق الطاقة، لكنّه لا يلغي احتمالات التصعيد الناتج عن سوء التقدير أو الخطأ العملياتي. 

كما يبقى خيار التفاهمات الجزئية المؤقتة قائمًا، خصوصًا في ملفات الملاحة وتقليل الاستهداف المتبادل. إلا أنّ هذه التفاهمات تبقى محدودة الأثر، لأنّها لا تعالج جذور الصراع المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والبرنامج النووي الإيراني وتوازن القوى. 

أما في حال فشل المسار التفاوضي، فمن المرجح العودة إلى ضربات محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو اقتصادية، مع تصاعد تدريجي في التوتر. 

ويبقى السيناريو الأقل احتمالًا والأعلى تأثيرًا هو اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، تشمل تعطيلاً أطول للملاحة في مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة والكهرباء في الخليج، وتوسّع دور الوكلاء الإقليميين، بما يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وأمنية واسعة. ومن غير المرجح أن تلجأ إيران إلى إغلاق، كامل ومستدام لمضيق هرمز، نظرًا لاعتمادها على الممرات البحرية لتصدير جزء من تجارتها ونفطها، إضافة إلى أنّ الإغلاق الكامل قد يدفع إلى تدخل عسكري دولي واسع. 

وقد يشمل التصعيد المحدود تنفيذ ضربات جوية وصاروخية مركزة ضد منشآت عسكرية أو نووية أو بنى تحتية مرتبطة بالقدرات الصاروخية والمسيرات، دون السعي إلى احتلال بري واسع أو إسقاط النظام الإيراني.

وتشمل مؤشرات الإنذار المبكر المحتملة: إعادة تموضع هجومي للقوات الأمريكية، رفع إخلاء دبلوماسي غربي واسع، نقل ذخائر استراتيجية أمريكية، تصاعد الهجمات السيبرانية النوعية، ارتفاع نشاط الوكلاء الإقليميين، الارتفاع المفاجئ في تكاليف التأمين البحري، وزيادة التهديدات البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

الانعكاسات الاستراتيجية على دول الخليج 

تبقى البيئة الأمنية الخليجية شديدة الحساسية بسبب مركزية المنطقة في سوق الطاقة العالمي. إذ تظل المنشآت النفطية وخطوط الإمداد ومحطات الطاقة أهدافًا محتملة في حال انهيار التهدئة، بينما تبقى التهديدات الصاروخية والمسيرات ضمن بيئة ردع متبادل غير مستقر.  

تبقى البيئة الأمنية الخليجية شديدة الحساسية بسبب مركزية المنطقة في سوق الطاقة العالمي، إذ تظل المنشآت النفطية وخطوط الإمداد ومحطات الطاقة أهدافًا محتملة في حال انهيار التهدئة. بينما تبقى التهديدات الصاروخية والمسيّرة ضمن بيئة ردع متبادل غير مستقر. 

ومن المرجح استمرار تصاعد الحرب السيبرانية خلال فترات التهدئة، بما يشمل استهداف قطاعات الطاقة والاتصالات والمصارف والبنية التحتية الحيوية، إلى جانب مخاطر الحرب الإلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة. كما تبقى القواعد العسكرية الأجنبية ضمن دائرة التهديد وفق مستوى التصعيد.

وفي ضوء ذلك، تواجه دول الخليج معضلة استراتيجية تتمثل في التوازن بين الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وتجنب الانزلاق إلى ساحة مواجهة مباشرة. وتبرز هنا أهمية تعزيز التكامل الدفاعي الخليجي، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات، ورفع كفاءة الأمن البحري والاستخباري والسيبراني.

جنود خلال المناورات الدفاعية المشتركة “النسر الحاسم 2025” (وزارة الدفاع القطرية، 2025)

الانعكاسات الاستراتيجية على الأردن 

أمنيًا، يُعدّ الأردن من الدول الأكثر تأثرًا بالبيئة الإقليمية المتوترة بسبب موقعه الجغرافي وتشابك ساحاته مع سوريا والعراق وفلسطين والخليج. كما يواجه الأردن تحديات مرتبطة بتصاعد نشاط الميليشيات المدعومة من إيران في جنوب سوريا وغرب العراق، إضافة إلى مخاطر الطائرات المسيّرة والتهريب والاختراقات الحدودية.

اقتصاديًا، يتأثر الأردن بشكل مباشر وغير مباشر بأي اضطراب في الخليج أو الممرات البحرية، نظرًا لاعتماده على الطاقة والاستثمارات والتحويلات والتجارة. كما ينعكس ارتفاع أسعار النفط سلبًا على التضخم والاستقرار الاقتصادي.

سياسيًا، يواجه الأردن معادلة دقيقة تقوم على الحفاظ على شراكاته مع الولايات المتحدة ودول الخليج، دون الانخراط في اصطفافات عسكرية قد تهدد استقراره الداخلي.

كما أنّ أيّ توسع للصراع في فلسطين أو سوريا أو لبنان سيؤثر مباشرة، سواء عبر الضغوط الإنسانية أو التهديدات غير المباشرة. كما قد يواجه الأردن ضغوطًا داخلية متزايدة نتيجة انعكاسات التصعيد الإقليمي على الاقتصاد والطاقة والرأي العام، إلى جانب احتمالات تأثر طرق التجارة البرية وحركة التبادل مع العراق والخليج.

وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية تعزيز قدرات الأردن في مجالات الدفاع الجوي والرصد المبكر والحرب الإلكترونية وأمن الحدود، إلى جانب تعميق التنسيق الأمني والاستخباري مع الدول العربية الحليفة.

جنود أردنيون خلال مناورات عسكرية مشتركة (US Marines, 2012)

الاستنتاجات والخاتمة 

تشير المعطيات الحالية إلى أنّ التهدئة القائمة ذات طابع تكتيكي ومؤقت، وليست تحولًا استراتيجيًا مستدامًا، إذ تتجه المنطقة نحو نمط من التصعيد المزمن منخفض الحدة وعالي التأثير، بدلًا من الحرب الإقليمية الشاملة أو التسوية النهائية. ويعكس ذلك انتقال الصراع من المواجهات التقليدية المباشرة إلى بيئة صراع مركبة ومتعددة المجالات، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الأدواتالسيبرانية والاقتصادية والبحرية والإعلامية.

كما تكشف التطورات عن تحوّل تدريجي في مفهوم الردع الإقليمي، من الردع التقليدي القائم على التهديد بالحرب واسعة النطاق، إلى ردع مرن يعتمد على الضربات الدقيقة، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، وإدارة التصعيد ضمن سقوف محسوبة، بما يسمح للأطراف المختلفة بتحقيق أهداف سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وفي هذا السياق، يبرز الصراع بوصفه نموذجًا متقدمًا للحروب الهجينة والحرب متعددة المجالات، مع تراجع مركزية العمليات البرية الواسعة لصالح الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والقدرات غير المأهولة، والاستنزاف الاقتصادي، وحماية البنية التحتية الحيوية والممرات البحرية.

كما تؤكد المعطيات أنّ الخليج العربي سيبقى ساحة الارتداد الرئيسية للصراع، بحكم مركزية الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية، في حين سيظل الأردن ضمن دائرة التأثر الاستراتيجي غير المباشر نتيجة موقعه الجغرافي وتشابك بيئته الأمنية والاقتصادية مع ساحات التوتر الإقليمي.

وفي ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى تعزيز التكامل الدفاعي والأمني العربي، ورفع جاهزية حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الإنذار المبكر، إلى جانب تعميق التنسيق الاستخباري وإدارة الأزمات. كما يُتوقع أن تدفع هذه التحولات دول المنطقة إلى إعادة هيكلة عقائدها الدفاعية باتجاه أنماط الدفاعمتعدد المجالات، التي تدمج بين القدرات الجوية والبحرية والسيبرانية والإلكترونية ضمن منظومات ردع أكثر مرونة وتكاملًا.

وفي المحصّلة، لا تكمن خطورة المرحلة الراهنة في احتمالية اندلاع حرب إقليمية شاملة فحسب، بل في ترسّخ بيئة إقليمية قائمة على الاستنزاف المتبادل والتصعيد المتقطع طويل الأمد. ومن شأن ذلك إعادة تشكيل معادلات الأمن والردع والتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

كتّابنا Rutba Logo
كاتب

اللواء محمد الصمادي

محلل عسكري واستراتيجي، وعسكري أردني متقاعد تولى قيادة طيران العمليات الخاصة الأردنية وإدارة أركان لواء الطيران، كما شغل منصب رئيس المعلمين في كلية القيادة والأركان الملكية الأردنية. حائز على ماجستير في استراتيجية ادارة الموارد الوطنية وماجستير في دراسات الحرب الجوية، ويعتبر من أبرز المحللين العسكريين على القنوات العربية.

تابع على الشبكات الاجتماعية
اللواء محمد الصمادي