آراء

مجلس التعاون الخليجي ما بعد الحرب: الأمن والتكامل أولاً | الدكتور بدر السيف

عقد قادة مجلس التعاون لدول الخليج العربية أول اجتماع لهم منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 أبريل/نيسان 2026، بالتزامن مع مرور شهرين على اندلاع المواجهات. واستمر اللقاء الاستشاري التاسع عشر عدة ساعات. وجدد القادة خلال اللقاء تأكيد تضامن دول المجلس، ورفضها للاعتداءات الإيرانية، وحقها في الدفاع عن نفسها، إلى جانب التزامها بالحلول الدبلوماسية. كما عكس الاجتماع ملامح التوجه الذي قد يسلكه مجلس التعاون الخليجي خلال المرحلة المقبلة. وقد عُقد الاجتماع في جدة بالمملكة العربية السعودية بدعوة من الملك سلمان، وحضره ملك مملكة البحرين وأمير دولة قطر، ووليا عهد دولة الكويت والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة. 

ومن حيث مستوى التمثيل، تبرز ثلاث ملاحظات أساسية. أولاً، كان غياب سلطنة عمان لافتاً، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك يعود إلى تضارب في المواعيد أم إلى طبيعة سياسات السلطنة قبل الحرب وأثناءها، والتي جعلتها أقل تعرضاً للهجمات الإيرانية مقارنة ببقية دول الخليج. ثانياً، جاء تمثيل الإمارات أقل مستوى من بقية الوفود المشاركة، وذلك في ظل خلافات سابقة مع السعودية قبل الحرب، وانتقادات إماراتية لمواقف دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية تجاه الهجمات الإيرانية. ثالثاً، يبرز الترابط الأردني مع المنظومة الخليجية من خلال إدانة المجلس للهجمات الإيرانية على الدول السبع (دول مجلس التعاون الخليجي والأردن)، ودعمه للإجراءات الدفاعية الأردنية. وقد تكرر ذلك في البيان الإعلامي رغم عدم عضوية الأردن في المجلس. صحيح أن الانقسامات وتباين المواقف داخل مجلس التعاون الخليجي ليست جديدة، إلا أن مستوى التمثيل غالباً ما يعكس مؤشرات مهمة على التوجهات المستقبلية. 

شهد مجلس التعاون الخليجي تطوراً تدريجياً وبطيئاً، لكنه حافظ على قدر من الاستمرارية والثبات، ولا يزال يُعد المنظمة العربية الأكثر نجاحاً رغم التحديات المتعددة التي تواجهها. غير أن تعزيز فاعلية المجلس وتأثيره يتطلب مواكبة التحولات الراهنة، خصوصاً في ظل تشكل نظام أمني إقليمي جديد وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. ولا ينبغي لدول الخليج أن تكتفي بدور المتلقي، بل يتعين عليها الإسهام بفاعلية في صياغة الترتيبات الإقليمية الجديدة وبناء هيكل أمني أكثر استقراراً. ويمثل مجلس التعاون إحدى الأدوات الرئيسية المتاحة لتحقيق ذلك، إلا أن تعظيم أثره يستوجب تزويده بأدوات وآليات جديدة، تبدأ بإعادة التفكير بصورة جذرية في نطاق عمله، وهيكله التنظيمي، وإجراءاته التنفيذية. 

ويحدد البيان الإعلامي للأمين العام لمجلس التعاون بمناسبة انعقاد اللقاء بصورة مقتضبة مسار المرحلة المقبلة، من خلال الإشارة إلى ستة مشاريع رئيسية من دون التوسع في تفاصيلها. إلا أن هذه المشاريع تتطلب اهتماماً عاجلاً، وإرادة سياسية متوافقة، وآليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية محددة. ويجري العمل بالفعل على اثنين من هذه المشاريع، وهما مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون الخليجي، ومشروع الربط الكهربائي الخليجي. 

ظهرت فكرة إنشاء شبكة السكك الحديدية الخليجية عام 2009، قبل أن تتحول إلى مشروع مؤسسي فعلي مع تأسيس هيئة مستقلة تضم جميع دول الخليج عام 2021. ومن المتوقع الانتهاء من المشروع بحلول ديسمبر/كانون الأول 2030، ليربط العواصم الخليجية الست عبر شبكة بطول 2117 كيلومتراً مخصصة لنقل الركاب والبضائع. وبتكلفة تقديرية تصل إلى 240 مليار دولار، من شأن المشروع تعزيز التكامل الخليجي ورفع مستوى التشغيل البيني في المنطقة، إلى جانب دعم قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والأمن. وقد برزت أهمية هذا الترابط خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، عندما اضطرت معظم دول الخليج إلى الاعتماد بصورة أكبر على النقل البري عبر المملكة العربية السعودية بعد تراجع الاعتماد على النقل البحري. 

زيارة ميدانية لمشروع توسعة الربط الكهربائي مع الكويت والعراق في منطقة الوفرة بالكويت (GCCIA, 2025)

أما مشروع الربط الكهربائي الخليجي، فيُعد بالفعل إحدى قصص النجاح البارزة للمجلس. ففكرة ربط شبكات الكهرباء الخليجية تعود إلى عام 1982، أي بعد عام واحد فقط من تأسيس مجلس التعاون. وتبلورت الفكرة عملياً عام 2001 مع إنشاء هيئة الربط الكهربائي لدول الخليج العربية ومقرها الدمام في المملكة العربية السعودية. وفي عام 2009، ربطت البحرين وقطر والكويت والسعودية شبكاتها الكهربائية، ثم انضمت الإمارات عام 2011، وعمان عام 2014. وقد أثبت المشروع فعاليته الاقتصادية والفنية، ما شجع على توسيعه خارج الإطار الخليجي، حيث تم تدشين انضمام العراق إلى الشبكة في عام 2023، مع توقع بدء التشغيل الكامل للربط خلال عام 2026. ويمثل المشروع نموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي، إذ بلغت تكلفته نحو 1.5 مليار دولار، في حين وفر قرابة 3 مليارات دولار من خلال تلبية آلاف حالات الدعم الطارئ وتبادل الطاقة بين الدول الأعضاء بحسب الحاجة. 

أما المشاريع الأربعة الأخرى، فهي ليست جديدة، بل مطروحة منذ سنوات. ويأتي في مقدمتها تسريع تنفيذ مشروع خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز وتوفر ممرات لوجستية بديلة، خصوصاً في ظل الحصار الإيراني للمضيق. وكانت الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988) قد دفعت السعودية إلى إنشاء خط أنابيب شرق-غرب عام 1981 بطول 1200 كيلومتر، يربط بين بقيق وينبع، وقد أثبت أهميته خلال الحرب الأخيرة عبر ضخ نحو سبعة ملايين برميل يومياً. غير أن بقية دول الخليج، لا سيما الكويت والبحرين وقطر، ستستفيد بصورة أكبر من ربطها بهذه الشبكة عبر إنشاء مسارات إضافية للأنابيب تمر عبر شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. 

ويُعد الأمن المائي الحلقة الأضعف في منظومة الأمن الخليجي. فدول الخليج تعاني شح المياه وتعتمد بدرجة كبيرة على التحلية، ما يجعلها بحاجة إلى تطوير آليات جماعية لتعزيز أمنها المائي وتقليل مخاطر استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل محطات التحلية. ويشكل الاستثمار في التقنيات الحديثة أحد المسارات الأساسية لتحقيق ذلك، وهو ما بدأت بعض الدول الخليجية العمل عليه بالفعل، مع وجود فرص واسعة للتعاون المشترك على غرار مشروع الربط الكهربائي. وتشمل هذه الجهود إعادة تدوير مياه الصرف الصحي في عمان وقطر، وإعادة تغذية المياه الجوفية، وتلقيح السحب، ومعالجة المياه الجوفية قليلة الملوحة في الإمارات، فضلاً عن تقنيات تجميع مياه الأمطار وإنتاج الماء عبر التكيف (التكثيف). وتسريع هذه المشاريع لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية. 

خامساً، يبرز مشروع إنشاء احتياطي استراتيجي خليجي مشترك باعتباره خطوة لا تقل أهمية عن بقية المشاريع. ويتطلب ذلك وضع خطة واضحة تحدد طبيعة هذا الاحتياطي ومكوناته، بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي. ويُعد مركز إدارة الطوارئ التابع لمجلس التعاون الخليجي في الكويت الجهة الأنسب لتنسيق هذا الملف، من خلال وضع المعايير واللوائح وتحديد قوائم الموردين وإدارة المخزون وفقاً للمتغيرات الميدانية. فاحتياجات الطوارئ الصحية، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، تختلف عن متطلبات النزاعات الممتدة. وقد اعتادت دول المجلس تبادل الموارد والإمدادات الحيوية خلال الأزمات، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب مأسسة هذا التعاون وتعزيزه عبر آليات أكثر تنظيماً واستباقية. 

مدرّعات عسكرية خلال تمرين درع الخليج الذي أقيم في الشرقية بالسعودية عام 2018 

أما على الصعيد العسكري، فإن التكامل الدفاعي الخليجي يمثل مساراً مستمراً منذ إنشاء «قوة درع الجزيرة» عام 1982، ثم اتفاقية الدفاع المشترك عام 2000، وصولاً إلى اعتماد استراتيجية دفاعية مشتركة عام 2009 وإنشاء القيادة العسكرية الموحدة عام 2013. ومع ذلك، لا تزال قابلية التشغيل البيني بين الجيوش الخليجية، والقدرة على التعامل مع التهديدات الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، دون المستوى المطلوب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير خطط استجابة مشتركة، بما في ذلك إنشاء نظام إنذار مبكر للصواريخ الباليستية، وهو أحد المقترحات التي طُرحت خلال اللقاء. 

ولكي تتحول هذه المشاريع إلى واقع ملموس وفعّال، لا بد من وضع خطة تنفيذية مفصلة ترتبط بجداول زمنية واضحة، وتحظى بمشاركة شعبية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الذين سيشكلون العمود الفقري لهذه المبادرات. فدول الخليج تمتلك اليوم مقومات القيادة الإقليمية، وسيؤدي تنفيذ هذه المشاريع إلى ترسيخ دورها بما يتناسب مع ثقلها الجيوسياسي وإمكاناتها البشرية والمالية. ويظل مجلس التعاون الخليجي أداة مهمة، وإن لم تُستثمر كامل إمكاناتها بعد. ولكي يحافظ على أهميته ويعزز مكانته، فإنه يحتاج إلى قدر أكبر من الفاعلية والمرونة خلال المرحلة المقبلة.

فريق التحرير Rutba Logo
عضو فريق التحرير

د. بدر السيف

مؤرّخ متخصص في تاريخ الشرق الأوسط الحديث والمعاصر والفكر الإسلامي، وتركّز أبحاثه على شبه الجزيرة العربية، ولا سيما ما يتعلّق بالتطورات الجيوسياسية، والسياسات العامة، والاتجاهات العابرة للحدود. وهو أستاذ التاريخ بجامعة الكويت، وزميل في المعهد الملكي للشؤون الدولية تشاتام هاوس، وزميل غير مقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن. وقد شغل عدة مناصب بارزة في السابق من بينها نائب رئيس الجهاز الفني والإداري في ديوان رئيس مجلس الوزراء الكويتي، ونائب أول لرئيس قطاع النفط والغاز في شركة أجيليتي.

تابع على الشبكات الاجتماعية
د. بدر السيف