كيف يُشكّل الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية مستقبل الخليج في الدفاع والسياسة العالمية؟
وفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة في تحليل البيانات الضخمة بسرعة ودقة تفوق البشر، مما عزز دعم القرار والقدرة على توقع الأزمات والاستجابة لها قبل تفاقمها. غير أن هذه القدرات لم تكن وليدة اللحظة؛ فالتوظيف المؤسسي للذكاء الاصطناعي يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث استخدمت منصات مالية مثل Alaaddin خوارزميات للتنبؤ منذ عام 1988، قبل أن يتسع نطاق استخدامها بشكل مكثف مطلع الألفية الجديدة. ومع تطوره لاحقًا، برزت أشكال جديدة من الأمن والسياسة العالمية، خاصة مع التركيز على أمن البيانات، والسيادة الرقمية، والتعاون الدولي في مكافحة الجرائم السيبرانية والتهديدات الكونية مثل الفضاء والذكاء الاصطناعي العسكري..
وانطلاقًا من هذه التحولات التكنولوجية، برزت دول الخليج كحالة متقدمة في تبني الذكاء الاصطناعي، حيث تتبنى مسارات تحوّل اقتصادي يقودها الذكاء الاصطناعي والاستثمار في التقنية العالية، مع السعي لتوطين المعرفة وتحويل الاقتصادات إلى اقتصاد قائم على الابتكار.
ويسهم الاستثمار في الدفاع الرقمي والذكاء الاصطناعي في تعزيز القدرات الاستباقية والردع، وتحسين كفاءة الخدمات الأساسية والبنية التحتية الحيوية بما في ذلك الطاقة، والمدن الذكية، وأنظمة النقل.

ووفقًا لمؤشر الاقتصاد الرقمي العربي 2024م حققت دول مجلس التعاون الخليجي تصنيفًا جيدًا في جاهزيتها الرقمية في مختلف القطاعات الاقتصادية، محققة أعلى الدرجات في ركيزتي البنية التحتية والحكومة الرقمية، فاستثمرت المملكة العربية السعودية أكثر من 24.8 مليار دولار في البنية التحتية الرقمية على مدى السنوات الست الماضية، وتخطط الآن لإنفاق نحو 20 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، وهذا التحول الاقتصادي يجد انعكاسه المباشر في المجال الدفاعي، حيث تسعى دول الخليج إلى دمج الذكاء الاصطناعي في منظوماتها العسكرية.
المؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل ركيزة رئيسية تشكل كيفية بناء الدول لعدة آليات في الدفاع والسياسة العالمية، وفي ظل التهديدات الإقليمية والتحديات التنموية، يظهر اتجاه قوي نحو تطوير أسلحة ذكية قادرة على اتخاذ قرارات تشغيلية بشكل مستقل وتنسيقها مع عناصر القوة التقليدية.
الذكاء الاصطناعي في المعدات الدفاعية
وتسعى دول الخليج إلى بناء منظومة دفاعية متقدمة تجمع بين الأنظمة المستقلة والذكاء الاصطناعي والتكامل عبر الشبكات الدفاعية، بهدف تعزيز البنية التحتية الخليجية وزيادة توطين الصناعات الدفاعية، وكذلك معالجة النقص الكبير في أعداد أفراد القوات المسلحة نتيجة قلة عدد السكان، وتعزيز الكفاءة والدقة في تدريب القوات المسلحة وعمليات اتخاذ القرار وتنفيذها، وعلى هذا الأساس، بدأت تتبلور ملامح تعاون خليجي مشترك في الصناعات الدفاعية.

وفي عام 2024م وقعت شركة “برزان القابضة” القطرية (شركة متخصصة في مجالات الدفاع والأمن من أجل تعزيز القدرات العسكرية للقوات المسلحة القطرية) والصناعات العسكرية السعودية (SAMI) أول اتفاقية من نوعها بين الصناعات الدفاعية الخليجية، تلتها اتفاقية مشابهة بين “برزان القابضة” وتكتل “إيدج الإماراتي” في عام 2025م.
وكان نتيجة لتلك المساعي أن أطلقت السعودية في عام 2024م المركبة الكهربائية الذكية “Lucid EV” محلية الصنع والمزوّدة بتقنيات القيادة الذاتية بالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة، وذلك خلال معرض الرياض العالمي للدفاع، إلى جانب الكشف عن مشروع سفينة حربية ذاتية القيادة تعمل بالذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البحرية. وفي الإمارات، برزت مبادرات مماثلة من بينها تطوير منصة “Hydra” الذاتية القيادة بطول أربعة أمتار والمخصّصة للاستطلاع والمراقبة، فضلاً عن دمج الذكاء الاصطناعي في برامج التدريب العسكري.
وفي العام نفسه، أطلقت وزارة الدفاع القطرية مبادرة “بوصلة الرقمنة الدفاعية”، التي تهدف إلى تحويل القوات المسلحة القطرية إلى مؤسسة عالية الكفاءة، تدار باستخدام المعلومات، وتستند على أساس معرفي مترابط شبكيا بصورة محكمة، لتعزيز القدرات الرقمية الفائقة في صفوف قوتها العاملة، ومع تزايد أهمية الممرات البحرية للخليج، برزت مبادرات نوعية لتعزيز الأمن البحري.
وذلك لأن استخدام الذكاء الاصطناعي في سلاح البحرية يعد أمرٌ بالغ الأهمية لاستقرار المنطقة، نظرًا لاستثماراتها الكبيرة في الموانئ التجارية والخدمات اللوجستية ومناطق التجارة الحرة، فقد أطلقت الإمارات عام 2024م مشروع “سات جيت”، الذي يعد مشروعًا تعاونيًا بين وزارة الطاقة والبنية التحتية ومركز محمد بن راشد للفضاء، والذي يهدف إلى استخدام تقنيات الأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي لتحسين مراقبة السفن وتعزيز الأمن البحري.
وفي عام 2019م أنشأت البحرين، بالتعاون مع شركة “إس آر تي ماريتايم سيستمز” البريطانية، نظام مراقبة ساحلية متكامل يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يضم شبكة رادارات متصلة بمحطات استشعار بحرية وأنظمة اتصالات مؤمنة مرتبطة بمركز قيادة وتحكم مركزي. ويتيح هذا النظام تتبّع حركة السفن في الوقت الحقيقي، والتمييز بين الأهداف التجارية والتهديدات المحتملة، والتنبؤ بمساراتها عبر خوارزميات تحليل البيانات. وقد عزز ذلك من قدرات خفر السواحل البحريني في مواجهة التهريب والتسلل البحري والصيد غير المشروع، ورفع سرعة الاستجابة للأزمات، بما يجعله خطوة متقدمة نحو بناء منظومة دفاعية بحرية أكثر ذكاءً وتكاملًا.

وتتواصل مسارات الابتكار الدفاعي في الخليج العربي عبر تقاطع ثلاثي: التوطين التقني، والتكامل الشبكي، والتعاون بين القطاعين العام والخاص، وتعزز هذه الجهود الاعتماد المحلي وتقلل من الاعتماد على مورّدين خارجيين في تقنيات حاسمة، غير أن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على المجال العسكري، بل يمتد إلى المجال السياسي والقوة الناعمة.
الذكاء الاصطناعي في المجال السياسي
وفي المجال السياسي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تعزيز القوة الناعمة لدول الخليج من زاويتين أساسيتين؛ فمن جهة، تتيح أدوات تحليل البيانات الاجتماعية والإعلامية رصد اتجاهات الرأي العام وتحسين الصورة الخارجية عبر استراتيجيات تواصل أكثر دقة وفاعلية. ومن جهة أخرى، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا في مجالات الثقافة والفنون من خلال إنتاج أعمال رقمية مبتكرة أو دعم الصناعات الإبداعية، وهو ما قد يجعل هذه الدول أكثر جذبًا وتنوعًا ثقافيًا. غير أن هذا الاستخدام الأخير يثير تساؤلات حول مدى قبول المجتمعات العالمية للفن والثقافة المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي: هل ستُعتبر جزءًا من القوة الناعمة حقًا، أم مجرد أدوات تحليلية داعمة؟
كذلك يزيد الذكاء الاصطناعي من قدرة الدول على تعزيز المفاوضات السياسية والاقتصادية، بل وتوقع نتائجها من خلال تحليل البيانات الضخمة ومعالجة كميات هائلة من المعلومات، مما يمنح الدول الخليجية ميزة استراتيجية محتملة. غير أن هذه الطموحات تصطدم بعقبة مركزية، وهي أن معظم البيانات الضخمة العالمية مملوكة لشركات وادي السيليكون أو منصات تكنولوجية صينية، ما يحدّ من وصول دول الخليج إليها بشكل مباشر، ويدفعها للاعتماد على الشراكات أو بناء منصات وطنية للبيانات.
وإلى جانب هذا التحدي الهيكلي، تظل قضايا الكفاءات المحلية والأمن السيبراني من أبرز المعوّقات أمام تعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
الاستثمارات الخليجية في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي
وبالرغم من استثمارات دول الخليج الكبيرة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تواجه المنطقة تحديات كبيرة في تطوير هذه التكنولوجية وانتاجها، ومن أبرزها: نقص الكفاءات المحلية في التخصصات التكنولوجية عامة، على الرغم من الجهود المبذولة لتطوير التعليم والتدريب، مما يدفع هذه الدول إلى الاعتماد على الكوادر الأجنبية، كما أن هناك صعوبة في توطين المعرفة التقنية وتعزيز القدرات البشرية في مجالات البحث والتطوير، وهو أمر يتطلب استراتيجيات تعليمية وتدريبية متطورة.
كما يواجه الخليج العربي تحديًا آخر يتمثل في الاعتماد على المورّدين الأجانب في القطاع التكنولوجي، هذا الاعتماد قد يحد من قدرة الدول على تطوير تقنيات محلية مبتكرة ويجعلها عرضة للتأثيرات الخارجية، بالإضافة إلى أن التهديدات الأمنية المرتبطة بالهجمات السيبرانية التي قد تستهدف البنية التحتية الحيوية، من أبرز وأخطر التحديات التي تواجه المنطقة.
ورغم الجهود المبذولة لتحسين حماية البيانات وتعزيز الأمن السيبراني، تبقى التهديدات قائمة نظرًا للتطور السريع في تقنيات القرصنة. ومع ذلك، فإن آفاق المستقبل ما تزال مفتوحة أمام دول الخليج لقيادة مجال تكنولوجيا الدفاع وتصدير الخبرات والذكاء الاصطناعي والحلول الرقمية. وبرغم التحديات الراهنة، تستطيع هذه الدول ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتطوير وتصنيع تكنولوجيا الدفاع.
وبالنسبة لعواصم الخليج، لم تعد التكنولوجيا مجرد استثمار في التنويع الاقتصادي، بل ستمكّن تطوير الخبرة المحلية من ترسيخ مكانتها كمصدر للتكنولوجيا عبر زيادة الشراكات مع شركات عالمية ومحلية لإنتاج أنظمة دفاع متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتبادل المعرفة والخبرات لرفع فعالية العمليات وتقليل التكاليف.
كما تبرز أهمية تنظيم مؤتمرات وورش عمل حول الابتكارات في الدفاع والتقنيات الرقمية لتعزيز التفاعل بين الخبراء والممارسين، إضافة إلى إنشاء مراكز تدريب وتطوير وإنتاج لتصبح الخليج مركزاً إقليمياً لتطوير وتصنيع تكنولوجيا الدفاع، بما يعزز استقلاليته الاستراتيجية ويقلل الاعتماد على الموردين الأجانب، كذلك تتمتع دول الخليج بإمكانية الوصول إلى البيانات، والقدرة الحاسوبية، والطاقة منخفضة التكلفة من مصادر الوقود الأحفوري والمتجدد. كذلك استثمارها في المعادن والفلزات، محليًا ودوليًا.
وتُبرز هذه العوامل أهمية جذب شركات الذكاء الاصطناعي إلى المنطقة، إذ تستضيف الإمارات شركات رائدة مثل G42 وPresight AI وBayanat، فيما تدعم السعودية عبر الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) نمو بيئة وطنية متخصصة في هذا المجال. ويأتي ذلك بالتوازي مع توسع الإمارات في قطاع التعدين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مع التركيز على المعادن والفلزات الحيوية للتكنولوجيا والدفاع، مثل النحاس والتنتالوم.