معضلة الدفاع الخليجي: كيف تشكّل الشراكات العسكرية مع الصين خطراً على أمن البيانات والعمليات
على خط التماس بين الخصوم
لطالما كان الخليج واحداً من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، حيث تتشابك مصالح القوى العظمى في لعبة نفوذ لا تنتهي. وفي خضّم الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، كان من الطبيعي أن يجد الخليج العربي نفسه في قلب هذا التنافس وسط رؤيتين متناقضتين للأمن. حيث مثّل النفوذ الأميركي ركيزة الدفاع الإقليمي لعقود من الزمن، ويتجسّد ذلك في الأسطول الخامس المتمركز في البحرين والقواعد الجوية في قطر والإمارات. إلا أن السنوات الأخيرة بدأت دول الخليج إلى اللجوء إلى إستراتيجية مختلفة عُرفت بـ”تنويع مصادر الدفاع”، حيث بدأت بالبحث عن التكنولوجيا والسلاح خارج المظلة الأميركية.
انتهزت الصين هذه الفرصة لتقم نفسها كشريك بديل عبر الاستثمار الاقتصادي وتوفير المعدات العسكرية بأسعار مقبولة. إلا أن التوسع المتنامي لنفوذ بكين يأتي مصحوبًا بمخاطر لا يستهان بها. فالشركات الدفاعية الصينية تحتوي على ثغرات أمنية في مجال البيانات والعمليات، وهو ما قد يمسّ بسيادة دول الخليج ويضع علاقاتها التاريخية مع حلفائها الغربيين الموثوقين على المحك.
البصمة الاقتصادية للصين والقيود العسكرية
ركيزة النفوذ الصين المتنامي في الخليج هو “الاقتصاد”. فمبادرة “الحزام والطريق” تعمل على ربط بكين بمشاريع البنية التحتية الحيوية، مثل ميناء الدقم في سلطنة عمان، ومدينة نيوم في السعودية، بالإضافة إلى نشر شبكات الجيل الخامس (5G) التي تشرف عليها شركة “هواوي” في جميع أنحاء المنطقة. هذه المشاريع جعلت الصين طرفًا لا غنى عنه في خطط دول الخليج لتنويع اقتصاداتها.
إلى جانب هذا الانخراط الاقتصادي، تقدّم بكين منتجات دفاعية منخفضة التكلفة. مثل الطائرات المسيّرة المقاتلة “وينغ لونغ” والصواريخ قصيرة المدى وأنظمة المراقبة الرقمية حيث تسوّق لهذه الأنظمة على أنها حلول سريعة وبأسعار مناسبة. هذه الحلول قد تبدوا جذابة مقارنة مع مبيعات الأسلحة الأمريكية التي عادة ما تكون مقيدة بشروط سياسية. هذه العروض تبدو مغرية لدول الخليج في سعيها تسعى إلى تحقيق المرونة في سياستها.
لكن يبقى دور الصين في جوهره تجارياً محضاً. فأسلحتها تُسلَّم دون دمجها في شبكات دفاعية أوسع، ودون تدريب مستدام، أو ضمانات طويلة الأمد. والأسوأ من ذلك، أن التقنيات التي تبدو مغرية قد تكون سلاحًا ذا حدين، حيث تخلق ثغرات خطيرة قد تعرّض أكثر الأنظمة الحيوية في الخليج للاختراق.
مخاطر اختراق البيانات والعمليات
حادثة DeepSeek الأخيرة أعادت إحياء الجدل حول هشاشة الأمن السيبراني في التكنولوجيا الصينية، بعد تقارير كشفت عن تسريب معلومات حساسة لصالح الجيش الصيني. هذه التطورات تطرح تساؤلات جدّية حول مدى موثوقية المنصات الصينية، وتسلّط الضوء على المخاطر الاستراتيجية لدمجها داخل البنى التحتية الدفاعية في الخليج. ويضاف إلى هذا تقرير نشرته وكالة “رويترز”، حيث اتهم مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية الشركة بدعم العمليات العسكرية والاستخباراتية الصينية، بما في ذلك مشاركة بيانات المستخدمين مع بكين والالتفاف على قيود تصدير الشرائح المتقدمة. وقد تعرضت أنظمة “ديب سيك” لعملية تسريب بيانات ضخمة تم خلالها كشف مليون سجل، تشمل سجلات محادثات، مفاتيح برمجية (API keys)، تفاصيل تقنية وبيانات خلفية (Metadata). كما أفادت التقرير أن DeepSeek حصلت على كميات كبيرة من شرائح الذكاء الاصطناعي الأميركية المتطورة، مثل Nvidia H100 الخاضعة لقيود التصدير، عبر شركات وهمية في جنوب شرق آسيا لدعم عمليات تدريب نماذجها. هذه الحوادث تسلّط الضوء على أن ضعف الضوابط والرقابة، أو ارتباط بعض الشركات بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، قد يعرّض البيانات الحساسة للخطر ويكشف شبكات الدفاع والاتصالات والاستخبارات للهجمات.
تُعدّ محاولة دولة الإمارات العربية المتحدة إيجاد توازن بين التقنيات القادمة من الولايات المتحدة والصين، إحدى أبرز الأمثلة على التحديات والمخاطر المرتبطة بهذا الصراع التكنولوجي. بدأت هذه التحديات في عام ٢٠٢١ بعد توقيع أبوظبي لإتفاق بقيمة ٢٣ مليار دولار مع واشنطن لشراء 50 طائرة مقاتلة من طراز F-35 وطائرات مسيرة من طراز MQ-9B Reaper. لكن في الوقت نفسه، كانت قد بدأت الإمارات بنشر شبكة الجيل الخامس 5G لشركة هواوي الصينية، مما أثار قلقاً كبيراً في واشنطن. فسرعان ما حذّرت الإدارة الأميركية من أن وجود شبكة 5G الكثيفة من هواوي بالقرب من قواعد طائرات F-35 يمكن استغلالها لتتبع الطائرات الشبحية وجمع معلومات استخباراتية عن العمليات العسكرية دون علم الإمارات. لهذا حثّت واشنطن الإمارات على تقييد أو استبعاد دور “هواوي” في بنيتها التحتية لشبكات الجيل الخامس كشرط لإتمام صفقة طائرات F-35. في نهاية المطاف، علّقت الإمارات الصفقة في أواخر عام 2021، مشيرةً إلى “متطلبات فنية، وقيود تشغيلية سيادية، وتحليل التكلفة والفائدة”.
تُوضح هذه الحادثة التناقض الجوهري بين المنظومتين، فبينما تميل دول الخليج للتقنيات الصينية لسرعة توفرها وكلفتها المنخفضة، إلا أن الأنظمة الغربية المتقدمة تأتي بمتطلبات صارمة للأمن والتوافق. مما قد يشكّل عوائق عديد في الدمج بين المنظومتين، ويهدد بتقويض الثقة والقدرات، الركيزتان الأساسيتان للعلاقات الدفاعية الحيوية.
البديل الأمريكي
في المقابل، لا تقتصر العلاقات الدفاعية الأمريكية على العمليات التجارية كبيع الأسلحة والأدوات الدفاعية. بل تركّز واشنطن على بناء شبكات دفاعية متكاملة تربط أنظمة الدفاع الصاروخي، والطائرات المتقدمة، والمراقبة البحرية، والأنظمة السيبرانية، والاستخبارات اللحظية، لتشكل بذلك بنية دفاعية متماسكة. هذه الشبكات التي تم صقلها عبر عقود من التعاون، تضمن تناغم الدفاعات الخليجية مع قوات الحلفاء.
تفوّق الولايات المتحدة ينعكس أيضاً على آخر التطورات التكنولوجية، وهذا ما أثبتته في “الحرب الخوارزمية” حيث نجحت في دمج الذكاء الاصطناعي في الطائرات المسيّرة، وأجهزة الاستشعار، والشبكات الميدانية بقدرات ذكية ومتطورّة ما زالت الشركات الدفاعية الصينية تحاول مجاراتها. كما أن الشركات الأميركية بدأت بالعمل على تقنيات أخرى أكثر تطوراً مثل نشر أنظمة مراقبة ذاتية وتقنيات “أسراب الطائرات المسيّرة” التي تعيد تعريف مفهوم المرونة العملياتية.
لكن الأهم من كل ذلك، هو أن هذه الأنظمة مؤمّنة بمعايير تشغيلية تحمي السيادة وفي الوقت نفسه تحافظ على التوافق مع أنظمة الحلفاء الغربيين. هذا المزيج من التكنولوجيا المتقدمة والتكامل الموثوق به هو ما يجعل الولايات المتحدة شريكاً لا غنى عنه.
استراتيجيات الموازنة والخطوط الحمراء الأمريكية
سعت دول الخليج في السنوات الأخير إلى تنويع خياراتها لموازنة رهاناتها الجيوسياسية، وبدأت بذلك عبر شراء أنظمة صينية مع الحفاظ على الضمانات الأمنية الأمريكية. مع أن هذه الاستراتيجية منحت لدول الخليج ثقلاً أكبر على طاولة المفاوضات إلا أنها اصطدمت أيضاً بالخطوط الحمراء الأمريكية. وظهر ذلك عندما حذّرت واشنطن من أن اعتماد دول الخليج على التقنيات الصينية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، أو الاتصالات، ليس قراراً تقنياً فحسب، بل قد يهدد استمرار المظلة الدفاعية الأمريكية والوصول إلى المعلومات الاستخباراتية.
من الواضح أن التحذيرات الأميركية كانت جديّة، إذ كاد توجه الإمارات نحو اعتماد تكنولوجيا الجيل الخامس 5G من هواوي أن يُطيح بصفقة مقاتلات F-35، نتيجة مخاوف واشنطن من أن يتيح الوجود الصيني في هذه الشبكات إمكانية كشف أنظمة التخفي. وما زالت واشنطن تحذر من أن دمج التقنيات الصينية في شبكات الاتصالات أو الذكاء الاصطناعي الخليجية قد يعرّض للخطر تبادل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية وحتى بيع المنصات العسكرية المتقدمة نفسها. ويشير تقرير لمعهد واشنطن إلى أن واشنطن قد طالبت في بعض الحالات بإزالة تقنيات من شركات صينية من القطاعات الحساسة كشرط لنقل الأسلحة. هذه الديناميكية تبيّن خطًر إستراتيجية “الموازنة” وتنويع الخيرات، فبينما قد تعطي الدولة مرونة على المدى القصير لكنها تهدد الشراكات التي تعدّ أساس الأمن الخليجي.
الموثوقية في أوقات الأزمات: تحالفات صلبة أم خيارات غير مضمونة؟
على الرغم من جاذبية الأنظمة الصينية من حيث التكلفة المنخفضة وسهولة الشراء، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً يتعلّق بالموثوقية في أوقات الأزمات. فالشراكات الدفاعية مع بكين ما زالت حديثة وإلى الآن ما زالت ضحلة، ولم تُختبر بشكل حقيقي في مواقف تتطلب الردع الفوري أو التنسيق السريع. كما أن أولويات الصين تبدو موجهة نحو تعزيز نفوذها الاقتصادي، لا لتقديم ضمانات أمنية طويلة الأمد لشركائها.
في المقابل، أثبتت الشراكات مع الولايات المتحدة وأوروبا قدرتها على الصمود عبر عقود، بدءاً من حرب الخليج ووصولاً إلى التحديات الأمنية الراهنة. إن هذه التحالفات لا تقتصر على بيع الأسلحة فحسب، بل تمتد لتشمل التدريب المشترك، والعمق المؤسسي، وتراكم الخبرات الذي يعزز من مصداقية الشركاء في أوقات الشدائد. بالنسبة لدول الخليج، فإن مقياس الثقة والاعتماد الحقيقي ليس في التكلفة، بل في وجود شريك يمكن الاعتماد عليه عندما تشتد الأزمات.
بناء الأمن على أسس متينة
يواجه الخليج العربي منعطفاً استراتيجياً مهماً. فعلى الرغم من أن واشنطن لا تزال حجر الأساس في المنظومة الدفاعية الإقليمية، إلا أن ضماناتها الأمنية باتت مقرونة بشروط تحد من المرونة. في المقابل، تقدم الصين مسارات اقتصادية واعدة ومنتجات دفاعية مغرية بتكلفة منخفضة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر جمّة قد تهدد أمن البيانات الحساسة، وتزيد من المخاطر العملياتية، وتضعف التحالفات القائمة مع الغرب.
إن المعادلة هنا لا تتعلق بالاختيار بين قطبين عالميين، بل الاختيار الحقيق هو في الفعل بين الموثوقية والمخاطرة. لهذا فإن الإستراتيجية الخليجية البراغماتية ينبغي أن تقوم على محاور متوازية: في مقدمتها تطوير القدرات الدفاعية المحلية، ثم تعزيز التنسيق والتكامل الأمني بين دول مجلس التعاون، مع الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي توفرها الصين، ولكن مع الحفاظ على أساسيات المنظومة الدفاعية، التي تبقى ركيزتها الشراكات الراسخة مع الحلفاء الذين أثبتت التجارب صمودهم في أوقات الأزمات.
لم يعد النقاش اليوم مقتصرًا على قدرة الصين على تصدير الطائرات المسيّرة أو أنظمة المراقبة، بل بات السؤال الاستراتيجي الأهم: هل تستطيع دول الخليج تحمّل كلفة السماح لبكين بالتغلغل في أنظمتها الدفاعية الأكثر حساسية؟ سواء تعلق الأمر بالأمن التقليدي أو بالأمن السيبراني، فإن معيار القوة الحقيقية يكمن في الموثوقية. وعلى هذا الصعيد، ما زالت الصين بعيدة عن توفير الاطمئنان الاستراتيجي المطلوب.