تكنولوجيا

عيون في السماء: دول الخليج توسع قدراتها في الدفاع الفضائي والأقمار الاصطناعية

أصبح الدفاع الفضائي عنصرًا لا غنى عنه في الاستراتيجيات الوطنية للدول، وذلك في ظل استمرار استكشاف الفضاء وتطوير التكنولوجيا الخاصة به، وظهور تهديدات غير تقليدية مثل الأقمار المعادية والهجمات السيبرانية، بالتزامن مع التغيرات المضطربة والتحديات المتزايدة في المنطقة.

وأدركت دول الخليج أهذه المتغيرات فسارعت للاستثمار في النظم الدفاعية الفضائية كجزء من استراتيجياتها الشاملة للأمن الوطني، وقد شهدت هذه الدول منذ العقد الأخير توجهًا استراتيجيًا لتوسيع قدراتها الفضائية، بهدف حماية أمنها الوطني، وتعزيز قدراتها الاستخباراتية، وتحقيق استقلالية تكنولوجية، وتطوير منظومات دفاعية حديثة تتوافق مع متطلبات العصر لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية.

لذلك يُعد الدفاع الفضائي لدول الخليج محورًا هامًا لتطوير القدرات التقنية والتكتيكية لمواجهة التهديدات والكوارث في الفضاء، والتي تتضمن وجود ميليشيات معادية، والتحديات المتعلقة بانتشار الأسلحة النووية والصاروخية، فضلاً عن التوترات مع إيران وحركات مسلحة أخرى، وتنامي القدرات السيبرانية والصاروخية لخصوم المنطقة. كما تشمل التحديات أيضًا رصد وتحليل التهديدات في الوقت الحقيقي، خاصة في ظل الظروف الإقليمية التي تستوجب وجود أنظمة دفاع فضائية متطورة لرصد وتتبع وصد الهجمات الصاروخية المتقدمة والطائرات بدون طيار، وتفعيل أنظمة الكشف المبكر والرقابة الأرضية والفضائية لحماية المنشآت الاستراتيجية، كأنابيب النفط ومحطات الطاقة من الهجمات بالصواريخ أو التشويش الإلكتروني، وحمايتها أيضًا من التهديدات السيبرانية التي تستهدف أنظمة المعلومات الفضائية والبنى التحتية الرقمية بهدف تعطيل وسائل التواصل، والمراقبة، والتجسس.

من بين التحديات الفضائية أيضًا تراكم الحطام والأجسام العائمة في الفضاء، التي تهدد سلامة الأقمار الاصطناعية والمنظومات العسكرية، وتحتاج إلى أنظمة حماية فضائية متطورة للرصد ومنع التصادمات المحتملة، ومن أخطر التحديات التي واجهتها دول الخليج، كانت الاعتمادية على مصادر خارجية لجلب التكنولوجيا الحديثة عامة، مما حتم العمل على تطوير منظومات محلية ومستقلة لضمان استدامة الدفاع الفضائي، ضمن إطار سعي دول الخليج إلى حماية مصالحها الوطنية واستقرارها الإقليمي.

نتيجة لذلك، تبنت دول الخليج العربي استراتيجيات قوية؛ لتعزيز قدراتها في قطاع الفضاء والدفاع المحلي، حيث تطورت مبادراتها بشكل ملحوظ في مجال الصناعات الفضائية والتكنولوجية، بهدف تنويع اقتصاداتها وتحقيق استقلاليتها التقنية والأمنية، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة في صناعة الأسلحة والطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، وإطلاق برامج فضائية متنوعة تشمل تطوير الأقمار الاصطناعية لمراقبة الأجواء والأراضي، وتحليل البيانات الاستخباراتية، وحماية السيادة الرقمية.

كما تعمل الدول الخليجية على تعزيز التعاون مع قادة تكنولوجيين عالميين، مثل: الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية، لنقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتقدمة، إضافة إلى تطوير منظومات الأمن السيبراني لحماية البنى التحتية الحيوية من الهجمات الإلكترونية والتشويش السيبراني، ولهذا أطلقت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة عدة أقمار اصطناعية؛ لتخدم أغراضًا مدنية وعسكرية وأمنية، بهدف تعزيز قدراتها في الاستطلاع والاتصالات ومراقبة البيئة وتنمية الاقتصاد الوطني.

وتمتلك المملكة العربية السعودية أكبر أسطول من الأقمار في المنطقة بأكثر من 30 قمرًا، تشمل  أقمار لمراقبة الأرض ودعم إدارة الموارد، مثل “سعودي سات” تم تطويرها، بالإضافة إلى مركز الفضاء الوطني لتعزيز القدرات الرصدية والأمنية، والاستثمار بمليارات الدولارات في مشاريع الأقمار الاصطناعية، إضافة إلى شراء أنظمة دفاع فضائي حديثة، وفي عام 2023م، أطلقت السعودية قمرًا صناعيًا بالتعاون مع كوريا الجنوبية، لمراقبة الموارد الطبيعية والأمن الوطني، مع السعي لبناء قدرات ذاتية وطنية تمكنها من الاعتماد على ذاتها بشكل أكبر في الفضاء.

تليها الإمارات بـ 15 قمراً، تمتلك أقمار مدنية للاستشعار عن بعد مثل “دبي سات”، ومبادرة “مسبار الأمل” لاستكشاف المريخ، ومبادرات لمراقبة الأراضي والتصدي للتهديدات عبر أقمار “الخليج سات”، وإنشاء مركز محمد بن راشد للفضاء لحماية البنى التحتية الفضائية من الهجمات الإلكترونية، كذلك إنشاء “مركز المراقبة الفضائية” في أبو ظبي، الذي يهدف إلى استثمار التقنيات الفرنسية المتقدمة في تطوير قدرات المراقبة والاستطلاع الفضائي، وفي عام 2022م، أطلقت الإمارات قمر صناعي بمشاركة شركة “كاسبرسكي” الأمريكية، لتعزيز قدراتها على المراقبة وتحليل البيانات الفضائية، وترسيخ مكانتها في هذا المجال التكنولوجي المتطور.

وفي قطر تم إطلاق “قطر سات” للأغراض المدنية والاتصالات، مع مشاريع تعاون مع شركات عالمية للاستفادة من قدرات الأقمار وخدمات الاتصالات، أما في الكويت والبحرين فتمت المشاركة في برامج مشتركة ومبادرات صغيرة لتعزيز قدرات المراقبة الأمنية والبيئية.

بينما بدأت سلطنة عُمان خطوات أكثر وضوحًا نحو تمكين الفضاء، من خلال إطلاق برنامج “مسرّعات الفضاء” في يوليو الجاري، والذي يهدف إلى تأهيل 10 شركات ناشئة محلية تعمل في تكنولوجيا الفضاء، وتطوير نماذج أولية لحلول قابلة للتطبيق التجاري، في خطوة تهدف إلى تحفيز الاقتصاد المعرفي وبناء قاعدة وطنية من الكفاءات، كما يشمل البرنامج إنشاء شبكة دعم متكاملة تربط بين المؤسسات المحلية والشركاء الدوليين، بما يعزز من قدرة السلطنة على دخول سوق الفضاء برؤية استراتيجية تشمل الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا.

وفي إطار التفاهمات الأمنية الحديثة، تستضيف دول الخليج معارض ومؤتمرات عالمية، مثل معرض “دبي للطيران” ومعرض “الدفاع”، لتعزيز الشراكات الاستثمارية والتكنولوجية مع كبرى الشركات العالمية، بهدف توفير بيئة ملائمة لنقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات المحلية، وتقوية القدرات الدفاعية والفضائية للمنطقة بشكل شامل ومستدام.

وعلى الصعيد الدولي، أبرمت دول الخليج اتفاقيات مع وكالات فضائية مرموقة مثل NASA وESA، للمشاركة في برامج مشتركة، وتبادل الخبرات، وتمويل المشاريع الفضائية. كما وقعوا عقودًا مع شركات تكنولوجية عالمية لتطوير أنظمة دفاعية متقدمة، مثل: أنظمة الدفاع الصاروخي والأقمار الاصطناعية العسكرية، بالإضافة إلى المشاركة في تحالفات أمنية عالمية، مثل: حلف الناتو، لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، كما تتضمن عمليات التعاون البرامج التدريبية المشتركة، وورش العمل، والمشاركة في مهمات استكشافية فضائية، بهدف تطوير قدرات البحث والتطوير.

وتُعد هذه الشراكات مهمة، لأنها تمكن دول الخليج من تقليل التكاليف، وتسريع وتيرة الابتكار، وتوسيع معارفها التقنية، وتحسين قدراتها التشغيلية، مع تعزيز أمن المنطقة من خلال تبادل المعلومات والاستخبارات بشكل استراتيجي.

وكنتيجة مباشرة لتلك التحركات، باتت دول الخليج تقترب من تشكيل منظومة دفاع فضائي متكاملة تُعزز من قدرتها على الردع الإقليمي والاستقلال الاستراتيجي. فالاستثمار في الأقمار الاصطناعية ومنظومات الرصد والتحكم لا يقتصر فقط على البُعد التقني، بل يرتبط أيضًا بخلق شبكة استخباراتية فضائية خليجية قادرة على رصد التهديدات مبكرًا والتعامل معها بفعالية، كما أن تنويع الشراكات التكنولوجية وتوطين الصناعات الدفاعية يمنح هذه الدول هامش مناورة أوسع في التوازنات الإقليمية، ويعيد رسم معادلة التفوق في بيئة تتزايد فيها التحديات غير التقليدية، وفي ضوء هذه الديناميكيات، تتحول الفضاءات العليا إلى امتداد مباشر لمجال الأمن الخليجي، وتشكّل “العيون في السماء” ركيزة أساسية في تأمين الأرض وما دونها.

وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق الخليجي على برامج الفضاء والدفاع الفضائي منذ 2015م بلغ حوالي 15 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل الاستثمارات إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2030م مع إطلاق أكثر من 50 قمرًا جديدًا، مع زيادة عدد الأقمار الموجهة للمراقبة والدفاع من نحو 30 إلى أكثر من 70 قمرًا، بالإضافة إلى زيادة الميزانيات التشغيلية الموجهة لهذا القطاع بنسبة تتجاوز 15% سنويًا، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليل الضخم للبيانات.

فريق التحرير Rutba Logo
عضو فريق التحرير

د. غادة العامر

خبيرة في الذكاء الاصطناعي، تشغل منصب خبير بمركز دعم القرار بمجلس الوزراء، والرئيس التنفيذي لشركة تكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط. أستاذ هندسة الطاقة والأنظمة الذكية، وزميل ومحاضر في أكاديمية ناصر العسكرية، وسفير تقني للوكالة المصرية للفضاء. ترأس مركز الدراسات الاستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا وتشغل منصب نائب رئيس مؤسسة العلوم والتكنولوجيا العربية، وتُعرف بجهودها في ربط البحث العلمي بالتنمية.

تابع على الشبكات الاجتماعية
د. غادة العامر