عملية “سندور”: هل تغيّرت قواعد الاشتباك بين الجارتين النوويتين؟
لم يشهد جنوب آسيا لحظة توتر دقيقة كهذه منذ نهاية الحرب الباردة. فهذه المنطقة التي تشهد اشتباكًا نوويًا دائمًا بين الهند وباكستان، وتنافسًا محمومًا على النفوذ بين الصين والولايات المتحدة، أصبحت أي عملية عسكرية محدودة بمثابة اختبار مزدوج. فهل تستطيع الحدود الإقليمية الصمود أمام هذا الكم من الضغوط؟؟ وهل لا يزال النظام الدولي قادرًا على احتواء الانفجارات قبل أن تخرج عن السيطرة؟
نجاح عملياتي هادئ
في مطلع مايو 2025، أطلقت الهند عملية “سندور” ردًّا على الهجوم الإرهابي في “باهالغام”، مستهدفةً ما ادعت أنه بنى تحتية إرهابية داخل الأراضي الباكستانية. ورغم أن العملية تبدوا محدودة في تأثيرها المادي، إلا أن هذه الغارات المحدودة قد تحمل تداعيات ودلالات تكتيكية وسياسية يجب التوقف عندها. فالهند أعادت من خلال “سندور” رسم قواعد الاشتباك في جنوب آسيا من خلال فرض ضغوطٍ عسكريةٍ دقيقة وتفادي الانزلاق إلى حرب شاملة في الوقت نفسه.
أظهرت عملية “سندور” قدرة واضحة على التخطيط والتنفيذ بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، ففي يومها الأول، نفّذت القوات الجوية الهندية ضربات دقيقة باستخدام أسلحة بعيدة المدى. مستهدفة منشآت اعتبرتها نيودلهي مرتبطة بالبُنى الإرهابية. وفقًا للتقارير العسكرية، استهدفت القوات الجوية الهندية تسعة مواقع تابعة لتنظيمات مثل “جيش محمد”، و”لشكر طيبة”، و”حزب المجاهدين”. وهذه المواقع هي:
1. مركز سبحان الله – بهاوالبور 2. مركز طيبة – موريدكي
3. سَرجَل – تهرا كالان 4. محمونة جويا – سيالكوت
5. مركز أهل الحديث – بارنالا 6. مركز عباس – كوتلي
7. معسكر “الشهيد راحيل” – كوتلي 8. معسكر شواي نالا – مظفر آباد
9. معسكر سيدنا بلال – مظفر آباد
وخلال الأيام التالية، وسعت الهند نطاق العملية لتشمل قواعد جوية باكستانية متقدمة للمرة الأولى منذ حرب 1971، مثل قاعدة نوران الجوية وقاعدة سور في اقليم السند وقاعدة رحيم يار خان وقاعدة شاهباز في جاكوب آباد وغيرها، رغم وجود شبكة دفاع جوي صينية متطورة داخل الأراضي الباكستانية. صحيح أن بعض الخسائر سُجلت، إلا أن تقييمها لا يصح بمعزل عن حجم المخاطرة، وتعقيد المهمة، وطبيعة البيئة المعادية. فإن مجرد قدرة سلاح الجو الهندي على تنفيذ ضربات دقيقة تحت ظروف دفاعية معقدة ومتابعة الهجوم في الأيام التالية يؤكد قدرته على تنفيذ عمليات قسرية عالية الدقة.
إلا أن الأهم في هذه العملية هو ما لم تفعله الهند. فقد امتنعت عمدًا عن استهداف منظومات الدفاع الجوي الباكستانية أو الاشتباك مع طائراتها المقاتلة، رغم توافر الأهداف. فقد كان هذا الانضباط مقصودًا، وهدفه إيصال رسالة استراتيجية مفادها أن نيودلهي لا تسعى لصراع شامل مع الدولة الباكستانية، بل لتقويض بيئة العنف العابر للحدود. هذه القواعد المقيدة للاشتباك كلّفت الهند خسائر محدودة، لكنها جاءت في إطار وعي سياسي بعدم تجاوز عتبة التصعيد.
وفي ظل التحذيرات الدولية التي بالغت في تصوير “سندور” كتمهيد لحرب نووية، برز سلوك الطرفين كأحد أبرز إنجازات العملية غير المعلنة: فقد التزم كل منهما بضبط التصعيد، من دون تهديدات نووية علنية أو تعبئة واسعة. هذه الاستراتيجية الهادئة تُعد سابقة في تاريخ أزمات جنوب آسيا
خسارة السردية… لا المكاسب
رغم نجاح الهند في تنفيذ العملية عسكريًا، إلا أنها ارتكبت خطأ استراتيجيًا مهمًا حيث تأخرت في تقديم روايتها الرسمية، ما منح باكستان فرصة لملء الفراغ الإعلامي بسردية أحادية الجانب. استغلت إسلام آباد هذا التأخير ببراعة، وروّجت لرواية تدّعي فيها إسقاط طائرات “رافال” الفرنسية المتطورة.
وسائل الإعلام وبدلاً من التركيز على أهداف العملية الهندية أو أبعادها الاستراتيجية، انشغلت بالحديث عن صراع تكنولوجي بين طائرات “رافال” و”جي‑10″ الصينية. بهذا، نجحت باكستان في تحويل النقاش إلى “أي الطائرات أداؤها أفضل؟” وهو انحراف ذكي يُبعد النقاش عن جوهر القضية. الدرس المستفاد هنا جليّ: في الحروب الحديثة، لا يكفي التفوق العسكري، بل يجب اقترانه بإمتلاك سردية محكمة. فالصمت الاستراتيجي قد يكون ضروريًا أحيانًا، لكنه يصبح عبئًا عندما يتحول إلى فراغ إعلامي يملؤه الخصوم بأنصاف الحقائق، وهذا الانحراف في التركيز ساهم في ترويج تصورٍ دعائي لصالح بكين وإسلام آباد، رغم أن السياق العملياتي الفعلي كان أكثر تعقيدًا.
سابقة استراتيجية جديدة
التحوّل الأخطر الذي رسّخته عملية “سندور” يتمثل في إعادة تعريف شروط استخدام القوة. فالهند باتت ترى أن وجود بنى إرهابية داخل باكستان حتى دون رابط مباشر بأجهزة الدولة يُعدّ مبررًا كافيًا لتوجيه ضربات عسكرية دقيقة. ولم تعُد الاستجابة الاستراتيجية مشروطة بإثبات التورط، بل بفشل الدولة الباكستانية في منع الهجمات. هذا المنطق الجديد يغيّر معادلات الردع، ويضع المجتمع الدولي أمام مشهد أكثر تعقيدًا.