ترجمات

المركبات غير المؤهولة تقود المعركة: كيف غيرت أوكرانيا قواعد اللعبة في حربها ضد روسيا؟

شهدت الحرب في أوكرانيا خلال عامي 2024 و2025 تحولًا ملموسًا في طبيعة العمليات البرية، حيث برزت “المركبات البرية غير المأهولة “UGVs” كعامل حاسم في تعزيز القدرة القتالية للقوات الأوكرانية على الأرض. 

ولم تعد هذه الأنظمة مجرد أدوات دعم، بل تحولت إلى قوة عملية متعددة الأبعاد قادرة على تنفيذ الإخلاء الطبي، مثل مركبة  Ratel Sالأوكرانية التي نفذت عمليات إخلاء طبي تحت النيران في دونباس، والدعم اللوجستي، والهندسة الميدانية، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، في بيئات قتالية شديدة الخطورة.

ومنح الابتكار المستمر في توظيف هذه الأنظمة، مدعومًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار المتقدمة، القوات الأوكرانية مرونة تكتيكية غير مسبوقة، قللت من الاعتماد على العنصر البشري في المنافذ الخطرة وسهلت السيطرة والتحكم في ميادين المعارك المعقدة، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في طريقة إدارة العمليات البرية الحديثة.

استخدامات هندسية وقتالية على أرض المعركة

يقول اللواء بوريس كريمينسكي، بحسب ما نقل عنه موقع “Breaking Defense” أن المركبات البرية غير المأهولة أصبحت عنصرًا حيويًا في ساحات القتال الأوكرانية، فقد تم توظيف أكثر من 500 مركبة UGV أوكرانية في الخطوط الأمامية منذ 2024، وفقًا لتقرير GVSETS 2025. 

وأشار كريمينسكي إلى أن “UGVs”  تم توظيفها في مجموعة واسعة من المهام، منها الإخلاء الطبي، نقل الإمدادات، إزالة الألغام، تأمين الطرق، الاستطلاع، وجمع المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن الحرب الإلكترونية لتعطيل نظم العدو وخلق ما وصفه بـ “قبة حرب إلكترونية” كدرع يعطل اتصالات العدو، ويعزز سيطرة القوات على الميدان.

ويعكس هذا التنوع في الاستخدامات قدرة القوات الأوكرانية على توسيع نطاق القوة البشرية على الأرض مع تقليل المخاطر المباشرة للجنود، ويبرز نهجًا تكتيكيًا مبتكرًا ومتطورًا يعكس دمج التكنولوجيا المتقدمة في العمليات الميدانية اليومية.

 مقارنة بين النهج الأوكراني والروسي

وبحسب مقال “Defense Express”، اعتمدت القوات الأوكرانية نهجًا متعدد الأبعاد في تبني المركبات البرية غير المأهولة، مع دمجها في أكثر من عشرين وحدة ضمن هيكل القوات البرية، وتوظيفها في مهام متنوعة تشمل الإخلاء الطبي، الدعم اللوجستي، الاستطلاع، والهندسة الميدانية.

ويكشف هذا التوسع عن رؤية استراتيجية تركز على المرونة التكتيكية والتكيف السريع مع متغيرات ساحة المعركة، مع تعزيز القدرات التكنولوجية المحلية عبر شركات متعددة طورت نماذج متقدمة من هذه الأنظمة.

على الجانب الآخر، ركزت روسيا على أنظمة محددة ذات أهداف دقيقة، مثل روبوتات إزالة الألغام ومنصات القتال الموجهة، مع تأسيس وحدات مخصصة للأنظمة غير المأهولة أواخر عام 2024. 

ويعكس هذا النهج استراتيجية تعتمد على الدقة والسيطرة المركزية على الأنظمة الموجهة، مع تقليل الاعتماد على الانتشار الكمي أو المرونة التكتيكية، وهو ما يوضح اختلافًا جوهريًا في فلسفة استخدام القوة البرية بين البلدين.

ويقدم هذا التباين الاستراتيجي درسًا مهمًا على مستوى التخطيط العسكري: فقد ركزت أوكرانيا على توطين التكنولوجيا والتعددية التشغيلية لضمان سرعة الاستجابة ومرونة العمليات، بينما اعتمدت روسيا على التركيز النوعي والقدرات الموجهة، ما يضعها في موقف أكثر تحديدًا لكنه أقل قدرة على التكيف السريع مع المتغيرات الميدانية.

التأثير العملي والاستشرافي للـ”UGVs”

تجاوزت “UGVs”  دورها التقليدي لتصبح عنصرًا محوريًا في إعادة تشكيل العمليات البرية الحديثة، وذلك لقدرتها على تنفيذ مهام عالية الخطورة بكفاءة عالية تعزز المرونة الميدانية والتحكم الديناميكي، وتوفر للقادة أدوات اتخاذ القرار المستندة إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب.

ويسمح دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحكم شبه المستقل لهذه الأنظمة بالعمل ضمن مجموعات متناسقة، ما يزيد من فعالية الاستطلاع والهجوم، ويخلق ضغطًا مستمرًا على العدو في بيئة قتالية ديناميكية يصعب التنبؤ بها.

ويعيد هذا التحول تعريف مفهوم السيطرة والتحكم، ويضع الابتكار التكنولوجي في صميم التفكير العملياتي الحديث. 

كما ساعدت “UGVs” في تنفيذ الإخلاء الطبي بكفاءة، خاصة في مناطق الخنادق والمناطق المكشوفة التي تستهدفها الطائرات الروسية من دون طيار دون الالتفات للإشارات الطبية، ما عزز حماية الجنود. وفق تقديرات غير رسمية، ساهمت المركبات غير المؤهلة، في خفض معدل إصابات القوات البرية الأوكرانية بنسبة 30 % وزيادة فعالية الاستجابة الميدانية، وفق مقال “”Breaking Defense.

 المستقبل الاستراتيجي للعمليات البرية

وختامًا: لم تعد “UGVs” خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية ستحدد ميزان القوى في الحروب القادمة، فعلى المدى الطويل، فإنه من المتوقع أن تتوسع مهامها لتشمل أدوارًا أكثر تعقيدًا في الحرب الإلكترونية، الدعم التكتيكي، والهندسي، مع تحول تدريجي في بنية القوات البرية نحو نظام تكاملي يجمع بين الإنسان والآلة. 

ولا يقلل هذا التطور من المخاطر البشرية فقط، بل يعيد صياغة أساليب التخطيط والتنفيذ، ويؤكد أن القدرة على الابتكار والتكيف هي المحدد الرئيس لقوة الجيش الحديث وصموده في مواجهة تحديات المعارك المستقبلية.

باختصار، تثبت تجربة أوكرانيا أن الـ”UGVs”  ليست مجرد تجهيز ميداني إضافي، بل أصبحت “حجر الأساس” في إعادة تعريف طبيعة الحروب البرية واستراتيجيات القوة خلال العقد القادم، حيث أصبح التكامل بين التقنية، المرونة الميدانية، والابتكار التكنولوجي المعيار الحقيقي للنجاح العسكري.

فريق التحرير Rutba Logo
عضو فريق التحرير

محمد الشرقاوي

باحث في العلاقات الدولية، يدرس ماجستير العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة. يهتم بقضايا الأمن الإقليمي والعلاقات بين الدول الأفريقية والدول الكبرى، مع تركيز على التفاعلات السياسية والاقتصادية في المنطقة. يشارك في ندوات أكاديمية وإعلامية، وله مساهمات بحثية تتناول العلاقات الدبلوماسية والتحولات الجيوسياسية.

تابع على الشبكات الاجتماعية
محمد الشرقاوي