قراءة في مواصفات المسيّرة شاهد وسجل الاعتراضات الخليجية لها
تحليل لمسار تطور مسيّرة شاهد الإيرانية وكيفية نجاح منظومات الدفاع الجوي الخليجية في صياغة حلول تقنية أجهضت استراتيجية الاستنزاف المادي التي راهنت عليها إيران.
لفتت الطائرة المسيّرة الانتحارية الإيرانية شاهد أنظار الكثيرين من مراقبي الحرب الروسية الأوكرانية مع الاستخدام الروسي المكثف لها في استهداف المواقع العسكرية والبنية التحتية الأوكرانية، ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، تتصدر شاهد عناوين الأخبار مع استخدام النظام الإيراني لها في استهداف دول الخليج بشكل يومي. فهذه الطائرة خفيفة الوزن وصغيرة الحجم ومنخفضة التكلفة تمثل عماد الردع الانتقامي للنظام الإيراني ونصف استراتيجيته للحرب غير المتكافئة بالتساوي مع الصواريخ الباليستية، وذلك بعدما تم تدمير الأذرع التقليدية للقوات المسلحة الإيرانية وقوات الحرس الثوري في البحر والجو، وتستخدمها وحدات قوات الحرس الثوري الإيراني في الهجوم على المدن والموانئ والمطارات الخليجية والبنية التحتية للطاقة فيها.فما هي مواصفات هذه المسيّرة ولماذا تمثل هذا التهديد الاستثنائي عوضًا عن الأنواع الأخرى من المسيّرات والذخائر الصاروخية بحوزة النظام الإيراني؟
من الجزيرة العربية إلى شرق أوكرانيا
لا يُعرف بالتحديد مصدر تصميم النماذج المبكرة من المسيّرة شاهد، ولكن أولى بوادر استخدامها كانت في الهجوم الذي تبنته جماعة أنصار الله الحوثي على منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو في بقيق وخريص بالسعودية عام 2019، حيث أعلنت المملكة حينها عن العثور على بقايا ما وُصف بمسيّرة مثلثة مدمجة الجناح Delta wing غير معروفة الطراز بموقع الهجوم. في ذلكالوقت لم تكن إيران قد كشفت رسميًا عن شاهد-136، ولم تظهر في العروض العسكرية الإيرانية حتى عام 2021. وقد أطلق المحللون الغربيون حينها اسم IRN-05 على البقايا التي عثرت عليها السعودية، قبل أن يتبين لاحقًا أنها النسخة التي تطورت لتصبح عائلة شاهد.
هذا الاستخدام الافتتاحي لشاهد في السعودية كان مجرد تمهيد لصعودها كأداة استراتيجية بحوزة النظام الإيراني. فمع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، انتقلت شاهد من كونها سلاحًا يستخدمه وكلاء إيران في هجمات محدودة لتصبح أداة رئيسية في استراتيجية الاستنزاف الروسية، حيث وقعت إيران وروسيا اتفاقًا تم بموجبه توطين صناعة شاهد في روسيا تحت اسم غيران-2 بمواصفات كانت في البداية متطابقة مع النسخة الإيرانية قبل أن تطرأ على النموذج الروسي العديد من التعديلات. وأصبحت شاهد منذ تلك اللحظة العمود الفقري للهجمات الروسية المستمرة على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، حيث ارتفع معدل الإطلاق الأسبوعي لها من 75 مسيرة في 2024 إلى أكثر من 1000 مسيرة أسبوعيًا بحلول مارس 2026.
لم يكن هذا التصاعد الحاد في معدلات استخدام شاهد ناتجًا عن تفوق تكنولوجي نوعي، بقدر ما كان انعكاسًا لاعتماد استراتيجية الإغراق العددي وتطوير خطوط إنتاج مبسطة. فقد لجأت المؤسسة العسكرية الروسية إلى استبدال المواد الكربونية في التصميم الإيراني الأصلي بألياف زجاجية أقل تكلفة وأسرع في التصنيع، مع دمج أنظمة ملاحة معززة بأنظمة مضادة للتشويش مثل Kometa-M لمحاولة تجاوز الدفاعات الجوية. وبحلول عام 2026، اكتملت ملامح الدور الذي تمارسه شاهد كأداة استنزاف مادي محض، وذلك عبر تزويدها برؤوس حربية حرارية لزيادة الأضرار بالمنشآت المدنية، مما جعل فاعليتها ترتكز بالدرجة الأولى على قدرتها على استهلاك صواريخ الاعتراض الغربية باهظة الثمن، وفرض ضغط مستمر على البنية التحتية من خلال الكثافة العددية لاالمواصفات التقنية المتطورة.

بقايا مسيّرة غيران-2 / شاهد-136 في أوكرانيا (DSNS)
المواصفات التقنية لشاهد-136
أنتجت إيران عددًا من النماذج في عائلة شاهد تتفاوت في أحجامها ومداها وقدراتها، إلا أن النموذج شاهد-136 هو الأكثر استخدامًا في الصراعات الحالية في الخليج وأوكرانيا، وفيما يلي المواصفات التقنية لهذا النوع.
| الخاصية | الوصف |
| التصميم الهيكلي | مثلث مدمج الجناح Delta Wing |
| الطول | ثلاثة أمتار ونصف |
| عرض الجناح | متران ونصف |
| الوزن | 200 كيلوغرام |
| وزن الرأس الحربي | من 40 إلى 50 كيلوغرام |
| السرعة | 150 كيلومتر في الساعة |
| نظام الدفع | مروحة خشبية أو بلاستيكية |
| البدن | ألياف كربونية رخيصة الثمن |
| المدى العملياتي | من 2000 إلى 2500 كيلومتر بحسب حمولة الوقود |
| البصمة الرادارية | منخفضة |
| طريقة التوجيه | إحداثيات جغرافية ثابتة مبرمجة مسبقًا |

أجزاء من المسيّرة الإيرانية شاهد 136 بناءً على شظايا تم العثور عليها عام 2022 (US Naval Forces)
تفوق خليجي في اعتراض واصطياد شاهد
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارات الدفاع الخليجية في إطار الحرب الحالية كفاءة عملياتية استثنائية في تحييد تهديدات المسيّرات الإيرانية، وتصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة المشهد، معلنة في الأول من إبريل عن اعتراض وتدمير 2012 مسيّرة إيرانية منذ اندلاع الحرب وبداية الاعتداءات الإيرانية على الخليج، فيما يمثل نسبة نجاح تتراوح بين 91% و93%. ويعود هذاالأداء المرتفع إلى الاعتماد على مجموعة متنوعة من التكتيكات والتقنيات وأنظمة الدفاع الجوي التي تشمل THAAD وPatriot بالإضافة إلى مقاتلات F-15، وتشكل هذه العناصر معًا مظلة دفاعية تحمي سماء الخليج.
وفي السعودية، تسجل الدفاعات الجوية للمملكة اعتراضات شبه يومية، بلغت ذروتها في 15 مارس باعتراض 36 مسيرة في يوم واحد فوق المنطقة الشرقية، بمعدل نجاح يتراوح ما بين 85% و90%. ورغم ضخامة الأسراب الإيرانية التي تهدف لاستنزاف المخزون الصاروخي، أظهرت المملكة قدرة فائقة على الربط بين المقاتلات الجوية والدفاعات الأرضية، كما سجلت كل من البحرينوقطر والكويت معدلات اعتراض ناجح تتراوح ما بين 97% و100%، مستفيدة من نظام الرصد المبكر الموحّد الذي يمنح غرف العمليات الخليجية إنذارًا مبكرًا يطيل زمن الاستجابة بما يكفي لتدمير الأهداف فوق المياه الإقليمية وقبل وصولها للأجواء الخليجية. ولكن شاهد تظل على الرغم من هذه النسب المرتفعة من الاعتراضات الخليجية مصدر إزعاج وتهديد تسعى دول الخليج إلى تحييده نهائيًا.
وفي تطور لافت يمثل نقلة نوعية في العلاقات الخليجية الأوكرانية، عرض الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي مساهمة قوات الدفاع الجوي الأوكرانية في اعتراض المسيّرات الإيرانية، والتي تملك أوكرانيا خبرة ميدانية كبيرة في التصدي الناجح لها، الأمر الذي يرجعه خبراء إلى عدة مقومات تقنية وتنظيمية حققتها أوكرانيا على مدار الحرب مع روسيا بالشراكة مع حلفائها الغربيين. على رأس هذه المقومات اعتماد أوكرانيا منظومة C2 للقيادة والسيطرة المتكاملة، وسرعة الاستجابة لتغير خوارزميات المسيّرات الروسية عبر التحديث البرمجي لأنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية، الإضافة إلى القدرة على دمج بيانات الرصد والاستشعار، وهي أمور خلقت فجوة تقنية لم تنجح روسيا في سدها حتى الآن.
وبموجب وبموجب اتفاقيات دفاعية ثتائية مدتها عشر سنوات وقعتها أوكرانيا في مارس 2026 مع كل من السعودية والإمارات وقطر، تم نشر أكثر من 200 خبير عسكري وأمن سيبراني أوكراني في المنطقة لتقديم استشارات ميدانية حول كيفية اعتراض الأسراب المسيّرة وحماية البنية التحتية للطاقة. وتركز هذه المساعدة بشكل أساسي على نقل نموذج الحرب الأوكراني القائم على دمج أنظمةالتتبع بالذكاء الاصطناعي واستخدام طائرات مسيّرة اعتراضية منخفضة التكلفة طورتها أوكرانيا لمواجهة مسيّرات شاهد، مما يوفر بديلًا مجديًا من الناحيتين التقنية والاقتصادية لاعتراض شاهد ويحقق توازنًا في نسبة استنزاف التكلفة لصالح الدفاعات الخليجية.

منظومة الدفاع الجوي الكورية KM-SAM، وهي إحدى المنظومات الدفاعية في السعودية والإمارات (DAPA)
إن هذا التكامل العملياتي بين التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة والخبرات الميدانية المكتسبة صاغ عقيدة دفاعية خليجية متجددة، قادرة على تحويل تحدي المسيرات الانتحارية من تهديد استراتيجي إلى فرصة لإثبات كفاءة منظومات الردع الإقليمية. فمن خلال دمج أنظمة الرصد المبكر الموحدة مع حلول الاعتراض المبتكرة، لم تكتفِ دول مجلس التعاون الخليجي بحماية أجوائها ومنشآتها الحيويةفحسب، بل نجحت في إجهاض استراتيجيات الاستنزاف الاقتصادي التي راهنت عليها إيران. ومع دخول الحرب شهرها الثاني، أصبحت المنظومة الأمنية الخليجية نموذجًا عالميًا رائدًا في الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، حيث أثبتت قدرتها على استيعاب الخبرات الدولية لخدمة القرار العسكري، مما يرسخ مكانة دول الخليج كقوة استقرار إقليمية قادرة على حماية أمن الطاقة العالميومكتسباتها الوطنية بفاعلية تقنية وعملياتية غير مسبوقة.