الخليج في قلب المواجهة.. من هامش الصراع الإيراني– الإسرائيلي إلى مركز معادلة الردع
مع اندلاع المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، عبر ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع استراتيجية في العمق الإيراني، وردود صاروخية معاكسة اخترقت الدفاعات الإسرائيلية، أصبح واضحًا أن الخليج لم يعد مجرد متابع على الهامش، بل أصبح في قلب معادلة التوتر، خصوصًا بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قطر في سبتمبر الماضي، التي وأكدت أن خطوط التوتر يمكن أن تتجاوز الحدود التقليدية.
وتحولت الممرات البحرية من مضيق هرمز إلى باب المندب، وبنى الطاقة التحتية التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، إلى ساحات محتملة للصدام في ظل قواعد ردع تتغير بسرعة، وهنا، لم يعد السؤال مقتصرًا على طبيعة الصراع بين تل أبيب وطهران، بل على الكيفية التي ستعيد بها هذه المواجهة رسم أبعاد الأمن والتحالفات في الخليج، لتجد دول التعاون الخليجي نفسها أمام خيارات قد تعيد تشكيل التوازن الإقليمي في المرحلة المقبلة.
ولا يمكن فهم التصعيد الراهن باعتباره مجرّد “سبب” يغيّر موازين القوى، أو “نتيجة” لتراكماتها السابقة، بل هو حلقة إضافية في سلسلة ممتدة من الاشتباكات التي تتفاعل فيها الأحداث والردود بشكل دائري، فمنذ استهداف منشآت “أرامكو” عام 2019 وصولاً إلى الضربات الإسرائيلية الأخيرة على قطر، يتضح أن كل موجة تصعيد تعيد إنتاج جذور التوتر في صورة أشد تعقيدًا، بحيث لا ينفصل السبب عن النتيجة، بل يتحولان إلى مسار متصل يرسّخ منطق “الدوامة الأمنية” التي تحاصر الخليج وتدفعه إلى إعادة بناء معادلات الردع بشكل متواصل.
وفي كلتا الحالتين، تبدو دول الخليج أمام معركةٍ قد تعيد صياغة أمنها الإقليمي، بعدما وجدت نفسها غير بعيدة عن خطوط النار، خصوصًا بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قطر، وهنا يتضاعف التحدي: الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة وسط الاضطراب المتصاعد، وإعادة بناء منظوماتها الدفاعية في ظل سباق تسلّح متسارع وحاجة متنامية إلى مظلات وتحالفات خارجية.
ومن ثمّ، تبدو المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل نقطة تحوّل فارقة تكشف ما إذا كان الخليج سيظلّ في موقع المتلقّي الذي يكيّف سياساته مع الأحداث، أم يتحوّل إلى فاعل مركزي يسهم في صياغة معادلة الردع الإقليمي وإدارة مخاطرها.
ولإدراك دلالات هذا التحوّل على الأمن الخليجي، لا بد من العودة إلى جذور المواجهة بين طهران وتل أبيب، وتتبع تطوّر خطوط الاشتباك عبر العقود وصولًا إلى اللحظة الراهنة، حيث وضعت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قطر دول الخليج في قلب المعادلة، لا على هامشها.
الخليج في مرمى الصراع الإيراني – الإسرائيلي
لم يعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل حبيس الساحات التقليدية في سوريا ولبنان، بل تمدّد تدريجيًا ليضع الخليج في قلب معادلة التوازن الإقليمي، فمنذ 1979 تبنّت طهران عقيدة عدائية تجاه إسرائيل، وفعّلتها عبر شبكة وكلاء امتدت من “حزب الله” في لبنان إلى جماعات فلسطينية واليمن، فيما اعتمدت تل أبيب إستراتيجية مضادة ترتكز على الضربات الاستباقية وتعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري مع واشنطن وبعض القوى الإقليمية.
وقد تجلّى انتقال الاشتباك إلى الساحة الخليجية مبكرًا عندما استهدفت إيران قاعدة العديد الأميركية في قطر، في رسالة مباشرة إلى واشنطن وحلفائها، أما الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي أصابت قطر، وإن لم تكن طهران طرفًا مباشرًا فيها، فقد جسّدت أن قواعد الاشتباك تجاوزت مسرحها التقليدي، وأن دول الخليج باتت في صميم المعادلة الأمنية لا على هامشها.
ورغم ابتعاد الخليج جغرافيًا عن خطوط المواجهة المباشرة، فإن تداعيات الصراع تسللت إلى فضائه البحري والجيوسياسي خلال السنوات الماضية، ففي 2019 تعرضت ناقلات نفط لهجمات قرب السواحل الإماراتية والبحرينية نُسبت إلى وكلاء إيران، كاشفة هشاشة خطوط الإمداد العالمية عبر هرمز وباب المندب، كما شهدت المنطقة هجمات سيبرانية طالت أنظمة الطاقة والملاحة الخليجية، في مؤشر على دخولها مرحلة “الحرب الرمادية” التي تمزج بين أدوات القوة الصلبة والناعمة.
ومع اتساع رقعة المواجهة منذ يونيو 2025، لم تعد العمليات مقتصرة على ضربات إسرائيلية في العمق الإيراني وردود صاروخية معاكسة، بل امتدت لتشمل الخليج ذاته، حيث تحوّلت قطر إلى ساحة ضمن الاشتباك: أولًا عبر الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة العديد الأمريكية باعتبارها ذراعًا استراتيجية لواشنطن، ثم عبر الهجوم الإسرائيلي الأخير الذي أصاب أراضيها مباشرة. هذه التطورات لم تُدخل الدوحة وحدها إلى المعادلة، بل كشفت أن مسرح الصراع بات يتجاوز الثنائية الإيرانية–الإسرائيلية، وأن الخليج بأسره أصبح مدمجًا في معادلة الردع.
عند هذه النقطة، لم تعد الممرات البحرية ولا البنى التحتية للطاقة مجرد أصول اقتصادية، بل أهدافًا محتملة في لعبة توازن القوى، وهو ما يفرض على العواصم الخليجية اختبارًا مزدوجًا: الحفاظ على استقرار الأسواق من جهة، وبناء منظومات دفاعية أكثر استقلالًا من جهة أخرى، بعيدًا عن الارتهان الكامل للتحالفات الخارجية.
وبهذا المعنى، لم تعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية مجرد نزاع ثنائي، بل تحوّلت إلى متغيّر إستراتيجي يرسم حدود الأمن الخليجي ويدفع دوله إلى الانتقال من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل، فاتحة الباب أمام قواعد اشتباك جديدة وخيارات دفاعية وسياسية أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.
الانعكاسات الأمنية.. تهديدات بحرية وتحصينات دفاعية
يشكّل البعد الأمني أكثر حلقات الصراع حساسية، إذ تتجاوز ارتداداته الحسابات السياسية لتمسّ مباشرة استقرار الطاقة وتوازنات القوة في الخليج، فالتوترات لم تعد حبيسة الخطاب بل انعكست في تهديدات بحرية متكررة وتحولات في أولويات التسلّح، ما يجعل المنطقة ساحة مزدوجة: نزاع على خطوط الملاحة ومخزون الطاقة، ومختبرًا لأنماط جديدة من الردع والتحصين الدفاعي.
أولاً: تهديد الملاحة النفطية:
حذّرت هيئات دولية من أنّ استمرار استهداف المنشآت النفطية قد يفضي إلى أزمة طاقة عالمية، ففي مؤتمر المنظمة البحرية الدولية يونيو 2025، اتهمت طهران إسرائيل بضرب منشآت في “عسلويه” ولوّحت بإغلاق هرمز، فيما ردت تل أبيب باتهام إيران بتحويل الخليج إلى “ساحة حرب” ودعم الحوثيين في هجماتهم البحرية، لتبرز هذه السجالات خطورة التهديد على تجارة تمر عبر الخليج بنحو خُمس النفط العالمي.
ثانيًا: سباق التسلّح النوعي
لقد رفعت دول الخليج إنفاقها العسكري خاصة في الدفاع الجوي والصاروخي، فباستثناء عُمان، تُشغّل كل دول المجلس نسخًا متطورة من “باتريوت”، بينما حصلت السعودية والإمارات على “ثاد”، كما عززت أبوظبي قدراتها الجوية بصفقة 80 مقاتلة “رافال” مع باريس عام 2021 بقيمة 16 مليار يورو، في نقلة نوعية لحماية منشآتها النفطية، وهذه التحصينات تعكس إدراكًا خليجيًا بأن المظلة الأمريكية وحدها لم تعد كافية.
ثالثًا: المظلة الأمريكية والشراكات
ما تزال الولايات المتحدة الشريك الأمني الأبرز، غير أنّ دول المنطقة تسعى في الوقت ذاته إلى تنويع مصادر التسليح والانفتاح على أسواق أوروبية وآسيوية، فصفقات السلاح مع فرنسا وإيطاليا، واهتمام الرياض وأبو ظبي بالانفتاح على الصين وروسيا، يعكس مقاربة براغماتية هدفها تقليل الارتهان لقطب واحد، أكثر مما تعكس تعاونًا إستراتيجيًا متكاملًا.
وفي كثير من الحالات، يظل الدافع اقتصاديًا بالأساس، من خلال اقتناء منظومات تسليحية بأسعار أقل أو بشروط تمويل أكثر مرونة، بدلًا من بناء تحالفات دفاعية طويلة الأمد.
إعادة رسم التحالفات الخليجية: بين واشنطن وطهران وإسرائيل
على المستوى السياسي، دفعت التوترات المتجددة دول الخليج إلى إعادة صياغة تحالفاتها ببراغماتية أكبر، فبينما تصرّ واشنطن وتل أبيب على أن شراكاتهما مع العواصم الخليجية راسخة، يكشف الواقع عن تراجع نسبي في الالتزام منذ 2021، مع ميل الرياض وأبوظبي إلى تغليب الحوار على المواجهة.
ويُجسّد الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية في مارس 2023 هذا التحول، حيث أكدت العواصم الخليجية أن التنمية الوطنية تحتاج إلى بيئة إقليمية أقل صدامًا، كذلك شكّلت اتفاقات أبراهام منذ 2020 متغيرًا لافتًا، فالإمارات والبحرين – ثم المغرب – وقّعت سلامًا مع إسرائيل، بينما ظلّت دول مثل السعودية والكويت وقطر وعُمان أكثر حذرًا، مشترطة تقدمًا في المسار الفلسطيني قبل أي تطبيع شامل، وقد جدّد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان هذا الموقف بوضوح حين أكد أن “الدولة الفلسطينية المستقلة شرط للسلام وليست نتيجته”.
وينعكس هذا التوازن الدقيق بين الانفتاح على إسرائيل والحوار مع طهران في الخطاب الخليجي؛ إذ تحذر قطر ومسقط من أن الرهان على الحل العسكري دون معالجة القضية الفلسطينية سيُعقّد فرص السلام، في وقت يستمر فيه التواصل المحدود مع إيران لاحتواء الأزمات.
بعد حادثة قطر، تبدو السياسة الخليجية اليوم أشبه بـ “معادلة توازن معقّدة”، إذ تجمع بين تقارب انتقائي مع إسرائيل، ومساعٍ حذرة لتهدئة مع إيران، إلى جانب التحدي المستجد المتمثل في إعادة ضبط معادلة الأمن بعد الضربات المباشرة على الأراضي القطرية، وهذه المعادلة المتحركة ستشكل بلا شك أرضية الخيارات الاستراتيجية المقبلة في الخليج.
الخليج وإيران.. من الصراع غير المباشر إلى قنوات الحوار البراغماتي
رغم انخراطها في صراع غير مباشر مع إسرائيل، اتّجهت دول الخليج في السنوات الأخيرة إلى إعادة تشكيل مقاربتها تجاه إيران عبر الانفتاح على قنوات الحوار، بعدما أدركت أن سياسة التصعيد وحدها لم تعد كافية لحماية مصالحها.
ويبرز في هذا السياق في مارس 2023، الذي أعاد فتح السفارات بين البلدين بعد قطيعة طويلة، كخطوة مفصلية عكست إدراك الرياض أن تكلفة التوتر مع طهران – كما ظهر في هجمات 2019 على منشآت أرامكو– تجاوزت حدود الاحتمال، وقد شكّل الاتفاق ما يشبه “شبكة أمان دبلوماسية” تتيح احتواء الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وعلى مستوى أوسع، انخرطت بقية دول الخليج في صياغة مقاربة أكثر مرونة تجاه طهران، فبينما واصلت قطر لعب دور الوسيط النشط، احتفظت عُمان بسياسة الحياد التوازني، فيما أبقت الكويت قنواتها مفتوحة عبر مبعوثين متكررين، حتى قبل جائحة كورونا، تبادلت الرياض وطهران زيارات غير معلنة، ما كشف عن وجود «خيوط تواصل صامتة» تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
غير أن هذه البراغماتية لم تُنهِ التنافس على ساحات الوكالة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، حيث لا تزال إيران ترعى حلفاءها، بينما تدعم السعودية والإمارات أطرافًا مناوئة، لكن الجديد هنا أن النظرة الخليجية انتقلت من اعتبار إيران «خصمًا مطلقًا» إلى «جارًا لا يمكن تجنّب التعامل معه»، وهو ما عبّر عنه مسؤولون خليجيون بقولهم إن المنطقة تدخل «عصرًا جديدًا من المخاطر» يستدعي ضبط الحسابات بمرونة أكبر.
وقد تبلور هذا الاتجاه في لقاء جدة يوم 7 يوليو 2025، حين استقبل ولي العهد السعودي وفدًا إيرانيًا برئاسة عباس عراقجي لمناقشة تخفيف التوترات، في خطوة عكست أن الحوار البراغماتي بات خيارًا إجباريًا، تمهيدًا لتحولات إقليمية أوسع لم تتضح معالمها بعد.
وختاماً، لم تُفضِ المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل إلى حسمٍ عسكري، لكنها أطلقت مرحلة جديدة من التصعيد “المكتوم” الذي يختبر قدرة الخليج على إدارة التوازنات، فالهجوم على قطر – سواء عبر الضربة الإيرانية لقاعدة العديد أو الاستهداف الإسرائيلي اللاحق – كشف أن المعادلة الأمنية لم تعد ثنائية بين طهران وتل أبيب، بل باتت متعددة الأطراف تدمج العواصم الخليجية في قلب الردع المتبادل.
هذا التحول غيّر طبيعة المخاطر: من ضربات تقليدية محدودة إلى تهديد شامل للبنى التحتية للطاقة والممرات البحرية، بل وحتى للفضاء السيبراني الذي أصبح ساحة اشتباك موازية.
وفي مواجهة هذا الواقع، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة مزدوجة: تعزيز منظوماتها الدفاعية لاحتواء المخاطر المباشرة، مع الإبقاء على قنوات سياسية ودبلوماسية مفتوحة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
إن ما يجري هو إعادة تعريف للأمن الخليجي، حيث لم تعد المظلة الأمريكية كافية بذاتها، بل باتت بحاجة إلى مكمّلات أوروبية وآسيوية، وإلى مقاربة إقليمية أكثر استقلالًا، وبرغم أن الانفتاح الانتقائي على إسرائيل يعكس اعتبارات ردعية، فإن الرهان على الحوار مع طهران يظل أداة ضرورية لخفض منسوب المخاطر.
وهكذا، يصبح الخليج في لحظة مفصلية: فإما أن يظل متلقيًا لصدمات الصراع الإيراني–الإسرائيلي، أو يتحول إلى لاعب موازن يصوغ قواعد ردع مرنة تحافظ على استقرار أسواق الطاقة وتمنحه هامش مناورة في بيئة إقليمية مضطربة، وبين هذين الاحتمالين، يظل التحدي قائمًا في ضبط التصعيد بحيث يبقى تحت السيطرة، مع الاستعداد لسيناريوهات مفاجئة قد تعيد رسم قواعد اللعبة في لحظة غير متوقعة.