تكنولوجيا

الحرب الذكية في الصين: بين الطموحات والواقع

في المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2022، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ رسميًا بصفته الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني عن رفع مبدأ الحرب الذكية إلى مستوى الضرورة الاستراتيجية الوطنية للبلاد. جاء هذا الإعلان تتويجًا لعملية ممنهجة استغرقت خمس سنوات، تم خلالها تقديم الاستراتيجية العسكرية الصينية المتكاملة الجديدة إلى الشعب الصيني، والتي تسعى الدولة بموجبها إلى تحقيق ثلاثة مستويات من التحديث بشكل متزامن: الميكنة والمعلوماتية والذكاء.

تطورت هذه الاستراتيجية الصينية بالتوازي مع طفرات وتحولات تكنولوجية على مدى أربعة عقود، منذ مبدأ “حرب الشعب” في العقد الأول، إلى “حروب محلية في ظل ظروف تكنولوجية حديثة” في التسعينيات، إلى “حروب محلية في ظل ظروف معلوماتية” بحلول أوائل الألفية الثانية. وفي عهد شي جين بينغ، انتقل جيش التحرير الشعبي الصيني إلى هدف أكثر طموحًا: التحول إلى جيش حديث بالكامل بحلول عام 2035، ووضع مفاهيم ومبادئ الحرب الذكية في إطار المجهودات المستمرة للابتكار العسكري.

وبشكل عملي، ما يطمح الجيش الصيني إلى تحقيقه هو دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة المسيّرة وتحليل البيانات والتفاعل بين الإنسان والآلة في أنظمة القيادة والسيطرة والتسليح لتسريع اتخاذ القرار وتحديد الأهداف وتنفيذ العمليات، واختصار دورة الملاحظة والتوجيه والقرار والتنفيذ OODA، مما يسمح لجيش التحرير الشعبي، نظريًا على الأقل، بالتفوق على خصومه في المعارك الحربية بسرعة ودقة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وفي إطار هذه الرؤية والقدرات المنبثقة عنها، ستتركز قدرات الحرب الصينية على استخدام مزيج من الأنظمة البشرية والمسيّرة لمهاجمة الخصوم وشل قدراتهم بشكل مركزي وشامل، لا يقتصر على مهاجمة منصات منفردة أو أسلحة بعينها.

عملية إنزال جوي ومسير جبلي للجيش الصيني ضمن منافسات ‘حلقة إلبروس’ في قبردينو – بلقاريا

أنظمة جديدة للحرس القديم

ولكن على الرغم من وضوح وجدية أهداف الصين في تأهيل جيشها للحرب الذكية، إلا أن هناك العديد من القيود العسكرية والهيكلية التي قد تقوض طموحات صانع القرار الصيني. وتتمثل أبرز هذه القيود في حقيقة أن جيش التحرير الشعبي لم يشارك في عمليات قتالية واسعة منذ حوالي 40 عاماً، ولم تخضع عقائده وأنظمته الجديدة للاختبار في سياق حرب حقيقية، مما يعني أن الأداء العملياتي للقوات الصينية في النزاعات غير مؤكد، وهو ما يضع علامات الاستفهام حول إمكانية تحقيق هدف الحرب الذكية، نظراً لأن الأنظمة المعنية تحتاج إلى التدرّب على كميات كبيرة من البيانات العملياتية عالية الجودة. وبالنظر إلى خبرة جيش التحرير الشعبي القتالية المحدودة في الآونة الأخيرة، تظل هناك تساؤلات حول مدى مطابقة بيانات التدريب للنزاعات العسكرية في الواقع.

ومن منظور عسكري، يرى المحلل الدفاعي الياباني ماساكي ياتسوزوكا أن توجه جيش التحرير الشعبي الصيني نحو الحرب الذكية مرهون بإنشاء أنظمة معلومات متكاملة قادرة على إدارة العمليات في جميع فضاءات العمل العسكري، البري والجوي والبحري والفضائي والسيبراني والإدراكي والكهرومغناطيسي. ويكمن جوهر هذا النهج في المعالجة الفعالة للمعلومات والبيانات، والتي تشكل عصب المنظومة وأساس اتخاذ القرارات والتنسيق بين مختلف وحدات القتال. ويشير ياتسوزوكا إلى أن معالجة المعلومات تتطلب تفوقًا استخباراتيًا كأساس للحرب الذكية، فبدون مدخلات استخباراتية دقيقة وذات مصداقية وجودة عالية، فإن قدرة الجيش الصيني على التحرك بسرعة وتنفيذ المهام بكفاءة ستكون محدودة، سواء كان متخذ القرار من البشر أو أنظمة الذكاء الاصطناعي.

يتمثل عائق آخر أمام تحقيق هدف الحرب الذكية في مركزية قيادة جيش التحرير الشعبي الصيني، والتي قد تقوض الأهداف الرئيسية لاعتماد هذا النمط من التحديث وتفرغه من فحواه، فهناك فجوة ثقة ثقافية وجيلية كبيرة بين كبار قادة جيش التحرير الشعبي الصيني وأنظمة الذكاء الاصطناعي. فالقادة الذين تدرجوا في المناصب العسكرية ضمن التسلسل الهرمي التقليدي غالبًا ما يرتابون من أنظمة الذكاء الاصطناعي ويشككون فيها، مما قد يؤدي إلى تدخل بشري يتجاوز قرارات تم صياغتها بالذكاء الاصطناعي أو يتجهالها. هذه العلاقة بين القائد الصيني والآلة تهدد بإبطاء دورة صنع القرار بدلاً من تسريعها، وهو أمر يمكن فهمه خصوصاً ضمن ثقافة مؤسسية يميّزها النفور من المخاطر والرغبة في تجنبها، كما هو الحال في أي بيئة مركزية سلطوية.

أثر الحرب الذكية على خصوم الصين وأصدقائها

إذا تحققت جميع مكونات منظومة الحرب الذكية بشكل كامل وعملت معًا بتناغم، فإن آثارها ستتجاوز حدود المحيط الجغرافي القريب من الصين إلى مناطق ودول أخرى. فنظريًا، سيتمتع الجيش الصيني المدعّم بالذكاء الاصطناعي بقدرات أعلى على الإنذار المبكر وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، والكفاءة اللازمة لاستهداف شبكات ومنظومات الخصوم بشكل كامل عوضاً عن المنصات الفردية، وهي أمور سيكون لها آثار على توازنات الردع إن تم للصين مبتغاها، ليس فقط في شرق آسيا، بل وربما في مناطق أبعد.

وبالنسبة لشركاء الصين في مجلس التعاون الخليجي، قد تحمل الأنظمة الصينية الذكية للمراقبة والاستطلاع جاذبية خاصة قد تزيد من الطلب عليها وتؤسس لشراكات أمنية صينية-خليجية جديدة، ولكن هذا الاهتمام أو الطلب إن أخذ مجراه فإنه سوف يصطدم لا محالة بالتساؤلات الماثلة حول قدرة الأنظمة الصينية العسكرية الذكية على تحقيق أداء ثابت وموثوق في الواقع العملي.

جنود من جيش التحرير الشعبي الصيني يشاركون في تدريبات الطوق والتفتيش ضمن تمرين ‘خان كويست 2015’ بمنغوليا.

ولا يقتصر التشكيك في كفاءة هذه الأنظمة على المراقبين الخارجيين فحسب، بل إن الكثير منها مصدره النشرات العسكرية الصينية، التي تخضع لمتابعة دقيقة من قِبل أجهزة استخبارات مجلس التعاون الخليجي، والتي تسلط الضوء بانتظام على التحديات المتعلقة بجودة البيانات وتكامل الأنظمة وثقة القيادة في العمليات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وتعتمد الحرب الذكية على كميات هائلة من البيانات القتالية عالية الجودة، ونظراً لقلة خبرة جيش التحرير الشعبي الصيني في القتال مؤخراً، تبقى التساؤلات قائمة حول مدى تمثيل مجموعات بيانات التدريب الخاصة به للمواجهات والصراعات.

ومن منظور تقني، لا تزال المخاوف قائمة أيضًا بشأن المرونة السيبرانية لهذه الأنظمة. ففي بيئة عملياتية كمنطقة الخليج، حيث تعد الحرب الإلكترونية والتشويش والاختراق السيبراني من الوقائع المتكررة بل والروتينية، يصبح النظام الذكي غير المحصن بشكل كافٍ نقطة ضعف محتملة وثغرة يصعب سدّها. فالأتمتة المتقدمة لا تحمل فائدة تُذكر إن لم يكن بالإمكان الاعتماد عليها في ظل تشويش واستهداف كهرومغناطيسي مستمر كالذي يحدث في الصراعات الحقيقية.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، قد يؤدّي النجاح الصيني المحتمل في الوصول لقدرات الحرب الذكية عن استمرار تبني دول الخليج الانتقائي لأنظمة صينية منفردة ومحددة بدلًا من الاعتماد الكامل عليها، حيث يمكن للتكنولوجيا الصينية أن تؤدي غرضها في أداء بعض الوظائف أو سد بعض الفجوات، لكن هياكل الردع الأساسية والقيادة المتكاملة ستبقى مرتبطة بمصادر أخرى وشركاء آخرين للخليج. أما السؤال المحوري خلال العقد القادم فهو ما إذا كان بإمكان دول الخليج الاستفادة تكنولوجيًا من الابتكارات الصينية بدون أن ترث القيود الهيكلية والتبعيات الاستراتيجية المتأصلة فيها.